من الأرشيف.. التحكيم في الكويت قديماً

في هذا المقال من سلسلة مقالات من الأرشيف، نتناول وثيقتين من عام 1952، تحملان في طياتهما أكثر من مجرد سجل قضائي، حيث تحملان صورة مجتمع كان يحل خلافاته بالحكمة قبل القانون، وبالثقة قبل كل شيء، ففي السابع والعشرين من أكتوبر عام 1952، وقّع رئيس محاكم الكويت سابقاً الشيخ عبدالله الجابر الصباح رحمه الله، والذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالمرحوم عبدالله العثمان، وثيقة موجّهة إلى المرحوم بلغة تعكس أدب تلك المرحلة ورقيّ مخاطباتها، جاء فيها: «إلى المؤمن الفاضل عبدالله عبداللطيف العثمان، بعد التحية، نحيل إليكم النظر في القضية المرفقة معاملتها طيه بين الأخوين (م) و(ص)، حيث أنهما رضوكم لحل هذه القضية، نرجوكم إفادتنا كتابياً بذلك مع إعادة الأوراق المرفقة إلينا». ولعل من أكثر ما استوقفنا في هذه الوثيقة عبارة «أنهما رضوكم»، فالقاضي في تلك الحقبة لم يكن يفرض المحكّم فرضاً، بل كان يشترط رضا الطرفين المتخاصمين عنه، ومن اختار المتخاصمان اسمه حكماً بينهما في مسألة مالية متشعبة تمسّ حقوقهما وأموالهما، لم يكن ذلك محض صدفة، بل كان شهادة من المجتمع على ما عُرف به هذا الرجل من نزاهة وأمانة ودقة حسابية نادرة، وقد اختار رئيس المحكمة، إلى جانب المرحوم عبدالله العثمان، اثنين من رجالات الكويت المعروفين، هما المرحوم عبدالله الجوعان والمرحوم حمد المشاري، وفي هذا الاختيار الثلاثي ما يعكس طبيعة تلك المرحلة، التي كانت توكل فيها القضايا المالية المعقدة إلى لجنة من الرجال لا إلى فرد واحد، ضماناً للعدل وتوسيعاً لدائرة الثقة، وهذه القضية بحد ذاتها تكشف عن حجم التعقيد الذي وُكّل إليه، إذ وقع نزاع بين الأخوين «م» و«ص» في مسائل مالية متداخلة، تشمل ديوناً متبادلة وحقوقاً موزعة وعقاراً، ولا يكفيها حكم قانوني جاف، بل تحتاج إلى من يجلس مع الأرقام ويفكّ خيوطها صبراً، ويُنصف كل طرف بعين لا تحابي، وقد كشفت لنا مسوّدة الحساب التي وردت في الأرشيف بخط المرحوم عبدالله العثمان أن العمل لم يكن مجرد حكم يُصدر، بل كان محاسبة دقيقة بنداً بنداً، تضمنت البيت الكبير الداخل على «ص» بقيمة 20000 روبية، والبيتين الداخلين عليه بـ6700 روبية، والسيارة بـ1600 روبية، ودكانين بـ435 و750 روبية، فضلاً عن أرض خارج السور بـ2000 روبية ودكان «ج» بـ1800 روبية، ليبلغ مجموع الموجودات 33285 روبية، يتقاسمها الأخوان بالتساوي بمستحق 16642.8 روبية لكل منهما، ويُخصم من نصيب «م» ما كان داخلاً عليه بقيمة 3800 روبية، ليصبح ما يستوفيه من أخيه «ص» 12842.5 روبية، ويضاف إليها مبلغ المماطلة البالغ 4157.8 روبية له، ليصبح إجمالي ما يستوفيه «م» من أخيه 17000 روبية.
وقد جاء الردّ على المحكمة مفصّلاً ومرتّباً ومحسوباً بدقة بالغة: «حضرة الأجل الأفخم سعادة رئيس المحكمة المحترم، بعد التحية والاحترام، نظرنا حسب أمر سعادتكم في دعوى (م) و(ص) ووفّقنا بينهما كالآتي: الديون التي لهما والتي عليهما يتلقاها (ص) له وعليه، ووضع مبلغ 4157.8 روبية يتحملها (ص) مقابل مماطلته عن الدفع واستحقاق خير، وعن التضرر الذي أصاب (م) لعدم انتفاعه بمستحقه طيلة المدة، والبيت يعود باقيه لحساب الطرفين، وصورة الحساب حسب الآتي يوقّع (ص) لأخيه (م) مبلغ 17000 روبية نتيجة المحاسبة»، وفي هذا الحكم ما يكشف عن عقلية قانونية ومالية متقدمة لزمانها، فلم يكتفِ المحكّمون بالفصل في الديون المتبادلة، بل أضافوا بنداً يعوّض محمداً عن المماطلة، وما أصابه من ضرر جراء حرمانه من مستحقاته طيلة المدة، وهو مبدأ يُعادل ما يُعرف اليوم بالتعويض عن الضرر الناجم عن التأخر في السداد، وهذا وحده يكشف أن من أصدر هذا الحكم لم يكن مجرد رجل أمين يُصلح بين متخاصمين، بل كان صاحب فكر حسابي وقانوني دقيق، يرى ما وراء الأرقام، ويُنصف من الضرر المعنوي كما يُنصف من الضرر المادي.
وهكذا تبقى هذه الوثائق شاهدة على كويت كانت تُقدّر الإنسان بما يُعرف به لا بما يملك، وعلى ثقة لا تُبنى في يوم ولا تُورث بالنسب، بل تُكتسب بالسيرة الطويلة والتعامل الجيد.
*صورة من تلك الوثائق سوف ترفق لإطلاع القراء الكرام على حسابي بتطبيق X..
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء التاسع من يونيو 2026 (الرابط الإلكتروني).
من الأرشيف.. التحكيم في الكويت قديماً - PDF




