صديق التقاعد

وها نحن نودِّع هذا الشهر الفضيل ونختمه بقيام الليل، راجين الله تعالى قبول صيامنا وصلاتنا وأن يرحمنا برحمته. وبالعيد أقول لأهل الكويت الطيبين كل عام وأنتم بخير، وودي مع نهاية الشهر أشارك القارئ بمشاهدة وحكمة سمعتها من صديق. فكلنا ننشط في أوائل الشهر الفضيل بزيارة الدواوين للتهنئة وبنفس الوقت استقبال المهنئين بدواويننا أيضاً، يعني انت تزور وهم يزورونك، فالكويت بفضل الله تعالى عامرة بالدواوين، لكن الدواوين أشكال تتلون بلون أصحابها، فأصحاب النفوذ غير أصحاب المال، ودواوين النواب غير دواوين الوزراء، وكذلك أصحاب العلم والناس الطيبين اللي الواحد يزورهم لشخصهم أو لعلمهم وليس لمالهم أو نفوذهم أو مناصبهم. فالنوع الأخير ترى ديوانهم عامرا، ولو بالعدد القليل، وتستمر ما دام أهلها فيها. أما الأنواع الثلاثة الأولى فاستمراريتها بالزخم الكبير من الزوار والمهنئين تعتمد على استمرار المحرك لها ألا وهو المال او النفوذ أو المنصب، وخلوني أعطي مثالين من دون أسماء.
ففي السبعينات كان هناك رجل قوي تعتمد عليه الدولة ولسنوات طوال، وديوانه كان في يوم تكتظ فيه المنطقة وتزدحم الشوارع، وسبحان الله بعد تقاعده ديوانه خلا من رواده، وصاحبنا أصابه اكتئاب وترك البلد وهاجر. ويقول صاحبي كنت أنا ووالدي نمر على إحدى الشخصيات بديوانه كل عيد، ولما صار وزيرا مررنا عليه بالعيد كالعادة، لكن لم نجد مكانا نجلس فيه، وبالسنة التي تلت وبعد تركه الوزارة هم مررنا عليه بالعيد، لكن لم نجد سوى عدد قليل من الزوار، وصاحبنا أيضاً أغلق ديوانه إلى يومنا هذا.
وما يحتاج أفسّر أكثر وأعود إلى حكمة صاحبي اللي يقول قررت زيارة مسؤول كبير له علاقة مع منصبي الذي اتبوأ، ولما وصلت إلى ديوانه ما نزلت، وكملت طريقي فسألني ابن عمي الذي يصحبني دائماً عند زيارة الدواوين، وقال: شفيك؟ ليش حركت؟! فأجبته فكرت انّ هذا المسؤول لو ترك وظيفته فلن أقوم بزيارته، لأنه لا تربطني به أي علاقة شخصية سوى منصبه، ولذا فهي زيارة مصلحة وتملّق، ليس إلا! والصراحة عجبني كلامه وقلت له: يا صاحبي قبل سويعات اتصلت على صديق ذي منصب أسلم واسأل وينكم، وقال لي احنا عند الوزير بديوانه، بمعنى احنا مشغولين بمن هم أهم منك، فأجبته: الله يعطيكم الصحة وطول العمر، وكلها سنوات قليلة وتتركون وظائفكم، ولن تجدوا وزيرا يعطيكم وجها، ولكن حياكم سوف اكون بانتظاركم، فأنا صديقكم ومحبكم لشخصكم.
نصيحة من القلب لكل ذي منصب، عليك بربعك القدامى ومن يريدك لشخصك، لأن الوظيفة ما تدوم لك وحشود أصحاب الحاجة والمصالح لن تجدهم حولك عند تقاعدك.
فاحرص على صديق التقاعد.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء ٢٠ يونيو ٢٠١٧ (الرابط الالكتروني)




