باع كوته

 

محطتي الثانية مع أسباطي في الرحلة الاسكندنافية كانت مدينة أوسلو عاصمة النرويج. آخر مرة زرتها قبل ١٥ عاما. وتبجحت أمام الأولاد بأننا ذاهبون إلى مدينة صغيرة وراقية يغلب عليها الجو الأسري. فتلك الدولة التي لا يزيد سكانها على ٦ ملايين نسمة تعتبر من أغنى الدول في العالم وتجسد دولة الرفاه. لكن لدى وصولي فوجئت بمدى التغيير الذي طرأ عليها، باتت تعج بأشكال عجيبة وغريبة من أناس وانحراف لم أستطع شرح طبيعتهم لأسباطي الصغار، عدا زيادة أعداد المشردين والمتسولين والمدمنين على الخمور. وأكثر ما أحزنني فقدان النظافة والنضارة في شوارعها ومحطتها الرئيسية للقطارات. وكم صدمت لما رأيت، فهل هو الحظ السيئ بتوقيت الرحلة مثلاً؟ أم كان فعلًا تغيراً جذرياً في فكر مجتمع؟ أم كانت رؤية مدينة للانفتاح السياحي أسوة بمدن أوروبية أخرى؟ وما عاد خيار المشي وسط المدينة متاحًا فقلت أودي الأسباط الأماكن الأبعد، حيث المتاحف والحدائق، وهذا يتطلب الاستعانة بسيارات الأجرة، فوجدنا تغييرا آخر، فمعظم سائقي سيارات الأجرة من المهاجرين العرب الأفارقة، والصراحة ما شفت أسوأ منهم في التعامل على الإطلاق، أنا لا أحب التعميم، لكن الصراحة ما شفت واحد عدل، إلى درجة ركبت سيارة أجرة وقلت للسائق السلام عليكم ما رد علي، وسألته بالانكليزي «أنت عربي؟». رد بنعم، فسألته «ليش ما رديت السلام؟»، فادعى إنه ما يعرف عربي. وبعد دقائق تلقى اتصالاً وأخذ يتكلم بالعربي! فقررت اختصار رحلتي بيومين والتوجُّه إلى محطتي الأخيرة بمدينة استوكهولم. وفي اللوبي تعرفت على أحد المديرين في الأوتيل وتجاذبت أطراف الحديث معه وسألته «ماذا حدث لمدينتكم الجميلة؟»، وجاء رده وبحسرة بأن ما تراه نتيجة الهجرة والتجنيس غير المتكافئ، وضريبة الدخول في الاتحاد الأوروبي، ومع فتح الباب للأوروبيين الشرقيين للهجرة والعمل، عدا فتح باب الهجرة واللجوء للآسيويين والأفارقة والعرب. قلت «اشرح لي فالموضوع شيق». فقال «في الستينات من القرن الماضي تم فتح الهجرة لفئة من الباكستانيين، ولم تكن بالتجربة الموفقة، مع أنهم مسالمون إلا أنهم لم يندمجوا في المجتمع». وسألته «والبقية؟». فأجاب «موجة هجرة من العراقيين إبان حكم صدام وسوريين نتاج الحرب، لكن الأعداد ليست كبيرة بقدر الجالية الافريقية التي يغلب على البعض منهم العنف والجلافة في التعامل». ويقول إنه بالمتوقع ان يصل أعداد الاجانب بحلول عام ٢٥ إلى ما يزيد على ٤٠ في المئة من تعداد سكان اوسلو. وختم: ولن تعود لنا مدينتنا الجميلة! فطرت على بالي أهزوجة كويتية قديمة تقول (مع التعديل علشان لا حد يزعل): «..واحد.. باع كوته واشترى كوت ثاني». ومن اوسلو فقط عرفت معناها. وبتحليل بسيط ترى المشكلة لا في الغراب ولا في الطاووس، المشكلة لما يحاول واحد يقلد مشية الثاني! والله يستر على ديرتنا.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السابع عشر من يوليو ٢٠١٨ (الرابط الالكتروني)

باع كوته Pdf