جائحة الغشاشين

WhatsApp Image 2020 03 03 at 83258 AM

لم يتسع المقال السابق للإبحار أكثر في عالم ظلام الغش الذي أخذ يفرض نتائجه على هذا الوطن، وكما أسلفنا، فإن محاولات الغش الفردي في المدارس وحتى في العمل موجودة وفي كل مكان في العالم، ولكن عندما تتحول من «عفرتة وشقاوة» إلى ظاهرة ومنها إلى جائحة مقيتة، فمن الواجب على الحكومة والمواطن وأولياء الأمور دق ناقوس الخطر وسن قوانين ولوائح تحارب تلك الجائحة، ولا حد يستغرب عندما أنعتها بالجائحة، فبعد مقالي السابق شاركني العديد بقصص الغش والتي يشيب لها الرأس، فيقول أحد الشباب العاملين بقطاع الاستثمار تعقيباً على مقالي «وأزيدك من الشعر بيت عمي، في شباب بأحسن الجامعات كانوا يشترون دراسات، وبروجكتات، وأسيهات من مواقع متخصصة بهالموضوع، البعض دفع أكثر من ٢٠٠٠٠ دولار أثناء فترة دراسته، وبعضهم ينسقون مع طلبة الدكتوراه الشطار اللي محتاجين فلوس، يدزون لهم صورة الامتحان ويحل الأسئلة بثلث ساعة ويدز لهم الأجوبة بالتليفون ويعبون الامتحان، بس يحلون %80 أو %90 صح علشان محد يشك»، طبعاً مأساة البحث العلمي وضعفه بدأت من هنا، كون البعض من الطلبة تتوافر لهم المادة، فيجدون أنه من الأسهل لهم إيجاد من يُعِد لهم أبحاثهم، وهناك ملاحظة وددتُ الكتابة عنها عن تخصص مهنيّ يتطلب كتابة المذكرات، حيث نجد معظم المكاتب لا تخلو من الوافدين القادرين على كتابة المذكرات، وقلة من الكويتيين العاملين في هذا المجال ممن عندهم القدرة أو الرغبة بالكتابة، لأنهم وببساطة لم يحترفوا هذا العمل الذي يستهلك الوقت ويتطلب التركيز والبحث بالمراجع ذلك إبّان دراستهم، وهذا لا يعني عدم تمكنهم من مهنتهم، ولكن كتابة المذكرات أمر مختلف، وسمعت أن بعض الدكاترة في الجامعة يتسابقون على أخذ كورسات الصيفي كمحاضرين، وسألت أحدهم ليش هذا التسابق على الصيفي؟ والإجابة كانت غريبة عليّ وإن شاء الله أكون «غلطان» بفهمي للموضوع، حيث أفاد بأن المردود المادي من تدريس الكورس الصيفي يفوق أضعافاً مضاعفة لما يتلقاه الدكتور مقابل أي بحث يقدمه، وإن كان هذا الكلام صحيحاً، فهنا خلل آخر، وقد يكون الحل في وضع آلية لتشجيع البحث العلمي مع ضوابط اختبارية للتأكد من عدم شراء هذه الأبحاث من مصادر خارجية، وذلك لإغلاق الباب أمام الغشاشين وفتحه على مصراعيه لمن يخاف الله وبقلبه مكان للوطن وهم كثر، وحسناً ما فعل وزير التعليم العالي بإحالة ١٣٥ شهادة علمية مزورة للنيابة العامة حسب ما نشر، وأعتقد أن العدد سوف يتضاعف بمرّات كلما أخذ التحقُق من مصادر هذ الشهادات بعداً أكبر، وقبل أن أختم فقد لفت نظري خبر على إحدى المنصات الاخبارية لدكتور في الجامعة، ذكر فيه معرفته بنائب سابق زوّرَ شهادة صيدلي ولديه صيدليات عدة، وتمنيت عليه «إن صح الخبر» بدلاً من هذا التصريح أن يقوم بالتقدم ببلاغ إلى «نزاهة»، فتصريحه هذا خلق نوعا من البلبلة، حيث قام البعض بتوجيه الاتهامات جزافاً إلى مواطنين نكِن لهم كل الاحترام والتقدير، المهم علاج جائحة الغشاشين لا يأتي إلا من خلال وكما أسلفت غرز أسس النزاهة والأخلاق والخوف من الله وعلى الوطن بقلوب الناشئة قبل عقولهم.

وتسلمون

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الخميس الثاني من ديسمبر 2021 (الرابط الإلكتروني)

جائحة الغشاشين PDF