الغشاشون.. ورسالة من الماضي

WhatsApp Image 2020 03 03 at 83258 AM

تداولت بمقالين سابقين موضوع الغش واقترحت تارةً تغليظ العقوبات للحد منها وتارةً أُخرى التركيز على الناشئة، وإضافة مقررات لتمكين النزاهة وأخلاقيات التعامل، ولكن وبكوني من غير المختصين في هذا المجال، فوجهة نظري لا تخرج عن اجتهاد مراقب، وقبل أيام وأنا أراجع النص الأخير لكتابي الجديد، الذي سوف يحمل اسم «محمود الجراح إرثٌ ضائع بين علم وجهل» وجدت الحل وبلسان مختص ألا وهو «الإرشاد النفسي» في المدارس، وبعد بحثٍ واستقراءٍ بسيط لاحظت أن الإرشاد النفسي في هذه الأيام وللأسف قد فقد بريقهُ وأصبح مجرد وظيفة في مدرسة، وتعتمد بشكل كبير على المرشد، وليس كنظام وخطة يتبعها المرشدون فمن دون تحفيز وتفعيل هذا النظام وجعله استباقياً وتثقيفياً ومكملاً للمنظومة التعليمية فلن نتمكن من الحد من ظاهرة الغش والتنمر وكذلك العنف، وكما ختم المرحوم محمود الجراح رسالته الموجهة إلى المرحوم عبدالعزيز حسين، الذي أُرفق نصه وبتصرف «يداً واحدة لا تصفق». وقد أعجبتني تلك الرسالة، ففيها وصف وتاريخ وحل، لذا ارتأيت إشراكها القارئ الكريم.

التاريخ 28-1ـ ‏1958

عزيزي الأستاذ عبدالعزيز

بعد أصدق التحيات: أرجو مخلصاً أن تكونوا بخير، وأن تكون أمور المعارف تجري على ما يرام. لقد كان لزاماً عليّ أن أبعث إليك بهذه الرسالة منذ زمن طويل؛ ولكن آثرت ألا أكتب شيئاً قبل أن تنقضي هذه الفترة الشاقة العسيرة: الانتباه بها مشتت والبصر زائغ والفكر متجول حائر، تارةً في الكويت ومصر وتارةً أُخرى في نيويورك. مرت هذه الفترة بشرها وبخيرها، بنعيمها وبشقائها لتفسح المجال أمام فترة جديدة وتجربة نفسية وثقافية جديدة أرجو أن تكون خصبة موفقة. الحياة في نيويورك كما أعرفها تبدو قاسية وتتحيز بالآلية؛ وطابعها العمل الذي يتجلى حتى في أكثر الميادين رقة؛ الإنسانية عمل والشفقة عمل والعواطف عمل! إنني لا أزال أبحث عن الأميركي النموذجي في خضم الأجناس الأخرى، التي تملأ هذه المدينة العظيمة؛ لقد رأيت الإيطاليين في إيطاليا والفرنسيين في فرنسا، أما في نيويورك فإني أرى اليهودي الذي يقرأ جريدته بالعبرية، واليوناني باليونانية والإيطالي والفرنسي إلى آخر هذه الألوان البشرية المتعددة، التي تكون سكان نيويورك في ظرف عشر دقائق فقط من كولومبيا بالمترو، يجد الإنسان نفسه في عالم آخر، في قلب أفريقيا مع الزنوج؛ عالم غريب له أسلوبه الخاص في الحياة وله لهجته الخاصة وعاداته التي تميزه عن غيره من «عوالم» أميركا. كنت في مصر أدرس انحراف الشباب في الكتب وفي قسم البوليس في الكويت. أما هنا فالجرائد اليومية تلقي الرعب في النفوس بما تنشر عن جرائم الشباب، وما خفي كان أعظم. إنّ الصبية هنا يمتلكون أسلحة نارية، والعصابات في كل مكان وروح التخريب تسيطر عليهم. أما الحياة الفنية الموسيقية والمسرحية ففي منتهى الجمال والروعة. الراديو مسخر للعمل، والتلفزيون كذلك والصحف والمجلات والجرائد اليومية الضخمة، كل هذه الوسائل في خدمة العمل. الحياة الجامعية وأقصد الحياة في مدرسة المعلمين تختلف عن ذلك كل الاختلاف، فيها الجد الصارم وفيها العمل المضني. الأساتذة يتمايزون بالعلم والكفاءة التي تذهب بهم أحياناً إلى حد الزهو والغرور. ولكن الدراسة ذاتها والحق يقال ممتعة وتستحق التعب والجهد ويهدف عملي الآن للحصول على الماجستير في علم النفس في قسم الـ (counseling de psychologie) التوجيه والإرشاد النفسي. فإذا حصلت على درجة الامتياز في جميع المواد حق لي أن أتابع السير نحو الدكتوراه في هذا الفرع المهم والجديد على فكرنا وحياتنا المدرسية والاجتماعية. إنني لا أتصور كيف قضت هذه الجموع الغفيرة من التلاميذ وطلاب الوظائف دون توجيه ما: وظيفي ونفسي. إنها ولا شك خسارة كبيرة. ولست أدري لماذا لم تهتم مصر بهذه الناحية حتى الآن! كم أود أن أرى عدداً من الكويتيين يتخصصون في الإرشاد النفسي هنا، لأن يداً واحدة لا تصفق.

توفي محمود الجراح عام 1961 بظروف غامضة، وهو بطريقه إلى نيويورك لمناقشة أطروحة الدكتوراه، ومنحت له الشهادة من جامعة كولومبيا بعد وفاته تقديراً لما قدمه من أبحاث ودراسات لطالما حلم بأن تكون مرجعاً علمياً مهماً لكل باحثٍ تربوي.

وتسلمون

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الرابع عشر من ديسمبر 2021 (الرابط الإلكتروني)

الغشاشون.. ورسالة من الماضي PDF