ديروا بالكم أهل المطلاع (3)

في مثل قديم يقول «أول بيت تبنيه بيعه والثاني أجره والثالث اسكن فيه»، طبعاً هذا الكلام ممكن يمشي بوقت ما، قيل هذا المثل يوم ما كانت القسايم في النزهة تساوي ٣ آلاف دينار والجابرية ٥٠٠ دينار، وكانت البيوت تُشترى على ١٥ ألفا وإذا كان كشخة حده وصل ٥٠ ألفا، وأذكر بيتنا في الروضة عام ١٩٦٧ كان سعره ٣٥ ألف دينار، عبارة عن فيلا دورين وأرض مساحة ١٠٠٠ متر بطن وظهر على الدائري الثالث، والقسايم بذيك الأيام أرخص من السيارات وتلك حقيقة، فكان عادي تلاقي المواطن يشتري ويبني وإذا ما عجبه باعه واشترى غيره أيام العز، ولكن الآن اعتقد نغير المثل الى «اول بيت هو اخر بيت بحياتك اسكن فيه الى يوم وفاتك»، المهم برجع للمثل وليش قالوه الأولين: لأن البناء مرتبط بأربعة محاور، الأول صاحب البيت والمدام، والثاني المكتب الهندسي، والثالث المقاول، والمحور الرابع واللي تكلمنا عنه بالمقال السابق وهو بما تسمح به ميزانيتك، وعادة ما يستوعب صاحب البيت المحاور الأربعة فيدخل بتعثر قد ينتهي بتعلق البناء لسنوات أو قضايا مع المقاول، والأهم التشطيب السيئ وبعدها يلاقي اللي بناه ما هو اللي في باله فيكون أحسن حل يبيع البيت ويبلش في الثاني، والتجربة الثانية أحسن من الأولى، ولكن البيت أيضاً مو ذاك الزود وإذا عنده فلوس أجّره ودخل بمشروعه الثالث، والذي سوف يكون نتاج تجارب مريرة ومعاناة، وأسرد لكم هذا المثل كونه نتاج واقع وحقيقة، وأنا أكتب المقال تذكرت أول تجربة لي وكانت عام ١٩٨٠ والمشروع كان بناء أربع فلل، ومع أني حاولت وبكل الجهد استقراء متطلبات واحتياجات شركائي بتلك الفلل، ولكن لم أكن أعلم أن ما كان يقال ليس إلا أضغاث أحلام تقعد الصبح إلا الربع ناسينها وكانت ورطة عودة، المهم رحت للمحور الثاني وما استرخصت وما أذكر منو اللي عرفني على مكتب رحمة الله عليه المهندس سعيد عبدالمنعم، والمهندس سعيد فنان ومبدع وقد صمم العديد من المباني ذات الطابع المميز، ومتأثر بالطراز الإسلامي الأندلسي، ويمكن من أجمل ما صمم المقر الرئيسي لبيت التمويل الكويتي، الذي ما زال أيقونة معمارية جميلة، المهم طلّع لي فلل طابعها أندلسي وأقواس مدمجة من الفنين الإسلامي والغربي، ولكن كوني غشيما بذلك الوقت لم آخذ بالنصيحة بتكملة المخططات التنفيذية وتسليم المشروع لجهاز إشراف دائم وما نزلته مناقصة تسليم مفتاح بين مقاولين معتمدين، وذلك اعتماداً على الكم الهائل من النصائح من الربع والأقارب، فصار معاي مثل ما صار «بنكتة» الأعمى والأعرج اللذين صدمتهما سيارة، حيث قال الأعرج للأعمى «الحقه» ورد عليه الأعمى «لا تعب نفسك أخذت رقمه» فلا الأعرج قادر على الجري ولا الأعمى قادر على الرؤية، وهذا ينطبق فعلاً عندما نأخذ النصيحة من غير المختصين، ففاقد الشيء لا يعطيه، المهم نفذت المشروع بطريقة الأعمى والأعرج، مقاول من معرفة قريب ومن ثاني يوم مشاكله مع الإشراف بدأت، وجزأت المشروع، يعني علشان أوفر فدخلت بعقود ما لها أول من آخر هذا الحجر وهذا الألمنيوم وهذا الصحي وراه الكهربائي، وللأسف كلهم طلعوا نصابين ومنهم من انتهيت بالمحاكم معاهم، وأكثر ما آلمني الأقواس الكبيرة والجميلة، والتي أضحت شي مشوه لا هي قوس ولا هي مربع شي سايح على بعضه، إلى درجة عند تركيب الألمنيوم أذكر جيداً أنه هناك فتحات ما بين الألمنيوم والحجر تتراوح ما بين 1 إلى ٢ سم، وما كان له حل إلا عمل إطار داخلي بشع وكما يقال ترقيعي لسد ذلك العيب الجوهري، المهم عشرين مقال ما راح تكفي لشرح تلك المعاناة فكان الحل البيع والقفز من تلك السفينة الغارقة، ونذرت يومها بأن أضحي بأربع بعارين إن استطعت التخلص من هذا الهم، وفعلاً وبقفزة الأسعار قبيل أزمة سوق المناخ بعتهم وغطيت خسارتي ووفيت بنذري، ونكمل بالمقال القادم ونشوف بعض سوالف فنون غش المقاولين وتقصير المهندسين.
وتسلمون.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الأربعاء التاسع من مارس 2022 (الرابط الإلكتروني)
ديروا بالكم أهل المطلاع (3) PDF




