عزل السوق

essay image

قبل كم أسبوع قرأتُ مقالاً للكاتب أحمد الصراف تحت عنوان «اجعل حياتك أجمل.. بعيداً عن الخرف»، وبدأ كاتبنا مقاله بما يلي «بدأتُ مؤخراً، وأنا أقترب من الثمانين حثيثاً، بتعلّم لغتي الأجنبية الرابعة، ولو أن درجة إتقاني لكل منها متفاوت بشكل» ويكمل «كما أن إتقان لغات أُخرى له تأثيرٌ عميقٌ في العقل، حيث يعمل على تحسين المهارات المعرفية غير المتعلقة باللغة، وحتى الحماية من الخرف في سن الشيخوخة»، إن معرفتي بالكاتب أحمد الصراف معرفةٌ غير مباشرة، إذ كانت إبان عملي بأحد المصارف في فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وكانت بداياته المصرفية في المصرف عينه، ولكن عند التحاقي بالعمل في المصرف عام ١٩٨٠م كان الكاتب أحمد الصراف قد ترك الوظيفة، وهو يسبقني بعقدٍ أو عقدين مادري، ولكن عرفته عندما أضحى عضواً بمجلس إدارة ذات المصرف، المهم والأكيد عرفته من خلال كتاباته في القبس ومع أنني لا أتفق كثيراً مع بعض ما يطرحه، إلّا أن الاختلاف فى الرأي لا يُفسد للود قضية، ولكن هذا المقال حيل عجبني ويستحق الوقوف عنده، كوني فعلاً بدأت بتعلم لغة ثالثة وهي اللغة البرتغالية واخترتها لسببين اثنين، الأول هو ما ذكره كاتبنا الصراف في مقاله، أما السبب الثاني فيكمُنُ في طبيعة هذه اللغة، فهي لغةٌ لطيفةٌ وسهلةُ النطق وبها الكثير من المفردات العربية والكثير من اللغة الإنكليزية مع التغيير بالنطق والكتابة، طبعاً ما وصلت إلى القدرة بالتخاطب ولكن صارت الكثير من الكلمات مألوفةً لديّ نوعاً ما، وفعلاً أجد متعةً بتتبع تلك اللغة وما أحتاج أكثر من ١٠ دقائق في اليوم ومرة واحدة في الأسبوع مع مدرستي البرتغالية طبعاً «أونلاين» لأني ما لقيت مدرسين لتلك اللغة في الكويت، والبرتغال بلدٌ جميلٌ وشعبهُ مضيافٌ وودودٌ ومو حسافة تعلم لغتهم، وبحسب اعتقادي الشخصي فإن تعلم لغة ثانية وثالثة لا يكفي لتطوير ذات الإنسان وعلى مدى مراحله العمرية، فشخصياً انتبهت مبكراً لتسارع العمر ومراحله، فالعمر غفلة ويمضي سريعاً وكما يُقال فالوقت مثل السيف إن لم تقطعه قطعك وإن لم تتمكن منه تمكن منك وأضاعك، وهنا أود إشراك القراء الكرام تلك الفلسفة وخصوصاً مِمن هم بمراحل العقد الرابع، وأعطيهم نصيحة من مجرب قبل «لا يعَزِّل السوق» كما يقال بعاميتنا وينطوي العمر وما سوينا شي، وأول نصيحة أقدمها للأربعينيّ: شوف صحتك لأن في بداية الأربعينيات قدرات جسمك وتحمله ليست كما كانت في العشرينيات إذ تصبح أقل من طاقتك وقدراتك العقلية، يعني ما تحس إنك تستطيع أن تستعمل جسدك بالعمل والإجهاد النفسي كما كنت في العشرينيات ويبدأ جسمك يعطيك إشارات ويقول لك تراني تعبت شوف لك حل معاي، ولَمّا تروح الطبيب بيقول لك ماكو شي هذا توتر، وإذا ما تنتبه فجأة تلاقي عندك بلاوي تتحول إلى أمراض مزمنة من سكر وضغط وشرايين وغيرها، والحل هو: رتب وقتك وعليك بالرياضة والحمية الصحية، ولا تُتعب نفسك وايد والشغل اللي ما يخلص اليوم خلصه باجر، واِبْنِ لك هدفاً لمرحلة ما بعد التقاعد، لأن التقاعد مُدمر للإنسان المُدمن على الوظيفة والعمل، والفراغ قاتل، وتوازياً مع ذلك اِفرزْ ربعك واعرِفْ منو هو الصادق ومنو هو المتقلب ومنو هو المتسلق، وبهذا العمر أصدقاء السوء أكبر عدو لك فتخلص منهم أحسن لك، أما على الصعيد الشخصي اتخذت قراري في بداية العقد الرابع بأن أترك الوظيفة وأغيّر أسلوب حياتي كما يقال ١٨٠ درجة، وبدأت أرى الأمور بزوايا مختلفة وبشكلٍ موضوعي وبعيداً عن العواطف، وقررت سلك درب العطاء والخير فهو العمل الجميل والممتع في هذه الدنيا والُمنقذ بالآخرة، وأهم شي تخلصت من كل متسلقٍ ومنافقٍ وحاقدٍ وحاسدٍ وكاذب وقبل كل هؤلاء من لا يخاف الله وعنده وكما نقول بعاميتنا «كل محترجة حلال»، فمثل هؤلاء البشر صحبتهم مهلكة فهم كالقمل وبق الفراش يقتاتون على دمك، والحل معهم لازم يكون جذرياً كحلق الشعر على الصفر والتخلص من عفش المنزل واستبداله بعفشٍ جديد، وهكذا الأصحاب فالأخيار كُثُر ولكن عليك بحسن الاختيار، ولكاتبنا الزميل أحمد الصراف أقول له شكراً جزيلاً على هذه المقالة وإن شاء الله سوف أحذو حذوك بلغة رابعة إن الله عطانا عمراً وصحة وعافية.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الواحد والثلاثون من أكتوبر 2023 (الرابط الإلكتروني)

عزل السوقPDF