المرجلة

في خضمِ تسارع الحياة وتداخل الأحداث داخلياً وخارجياً، وبالتوازي مع ضغوطات العمل والمعيشة، مع الأسف الشديد، أخذ مجتمعنا، وخصوصاً مَن هم مِن فئة الأصغر سناً، تختلط عليهم بعض المفاهيم وما تعني، وأصبح ما كنا نراه بالأمس يعكس المفهوم الحقيقي للكلمة يُفهم اليوم بمضمونٍ آخر، ومنها المرجلة والالتزام بالكلمة والخلق، وكذلك الاحترام والتديّن أيضاً، وبعيداً عن السياسة والاقتصاد، بتكلم اليوم عن كلمة «المرجلة» ومفهومها عند البعض، ومع الأسف يرى البعض في المرجلة أنها القوة والسطوة والعضلات والشارب واللحية، وبعضهم يضيفون لها التدخين، وللأسف، كأحد مظاهر الرجولة، وهذا فهمٌ خاطئ، فتلك الصفات موجودةٌ أيضاً لدى الكواسر والفحول من الحيوانات والطيور، أما المفهوم الحقيقي للمرجلة عند بني البشر فهو ألا تخرج عن الأخلاق والكرم والاهتمام بمن حولك وبأبنائك وأُسرتك ووطنك، والمرجلة تعني أيضاً التضحية والحب والعطاء واحترام الوالدين ومن بحكمهم ومن هم أكبر سناً، والمرجلة أيضاً هي المسامحة والعفو عند المقدرة، الرجل الحق هو الذي يميّز ما بين الغيرة الحميدة والغيرة العمياء، ولا يعرف الشك المرضي إلى قلبه درباً، إنها تلك الكلمة الكبيرة والجامعة لكل الخصال الحميدة، ولكن للأسف يجهلها العديد، وهنا يستحضرني قول الدكتور مصطفى محمود حين قال: «الرجولة أن تكون مسؤولاً أولاً وأخيراً عن أفعالك»، ففي أيامنا هذه بتنا نرى في أروقة المحاكم ضياعاً وتشتتاً للكثير من القيم والمفاهيم، التي نشأنا عليها، وليس فقط في ما يتعلق بالمرجلة ومفهومها، بل أيضاً في التدين والالتزام، مفاهيم كثيرة في هذا الوطن تتطلب غرسها لدى الناشئة، فهُمْ نواة أُسر المستقبل، وإحصائيات الطلاق في السنة الأولى من الزواج، بالإضافة إلى عزوف العديد من الشباب عن الزواج، ما هما إلا نذيرُ شؤمٍ لما نحن مقبلون عليه.
وفي هذا الصدد، تُظهر إحصائيات وزارة العدل ما يلي: «ووفقاً لإحصائيات وزارة العدل للعام الماضي 2022، مقارنة بإحصائيات الوزارة عن العام السابق له 2021، فقد تراجعت معدلات الزواج من 17693 حالة زواج في عام 2021 إلى 13387 فقط العام الماضي 2022، فيما ارتفع معدل الطلاق، الذي بلغ 8041 حالة طلاق في عام 2021، إلى 8307 حالات طلاق عام 2022». وعليه، فإن الحل ـ وكما أقول وأذكر دائماً ـ يكمُن في ثقافة الناشئة التي تأخذنا بدورها إلى مناهج التعليم وآلياته، فنحن نسير في طريقٍ مظلمٍ ونفقٍ خطرٍ ما لم نعالج إشكالية المفاهيم الخاطئة لدى أبنائنا، التي تقتضي منا الانتباه قليلاً إلى تربيتهم وغرس المفاهيم الحقّة في عقولهم ونفوسهم، فليس أجمل من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، وخير النماذج والأمثلة هي من الأنبياء خيرة البشر، كقصة موسى عليه السلام وشهامته مع ابنتي شعيب عليه السلام، ويوسف وعفوه عن إخوته، وأيوب وصبره على بلائه، وموقف خاتم الأنبياء والمرسلين مع الأعرابي حين شد عنقه، فكان رده الحلم واللطف، فلا بُدَّ من إكثار الحوار مع الأبناء والاستماع إليهم، ومناقشتهم بالمفاهيم والقيم، وعرض النماذج الإيجابية والقصص من الماضي والحاضر.
وتسلمون.
***
أتوجّه بالتهنئة والتبريكات إلى الدكتور محمد خالد الجسار بمناسبة تعيينه أميناً عاماً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، متمنياً له دوام التوفيق والنجاح في أداء مهامه.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الرابع عشر من نوفمبر 2023 (الرابط الإلكتروني)
المرجلة - PDF




