ورحل السّاجدُ العابدُ

essay image

إلى جنات الخلد أميرنا السّاجد العابد، ومرةً أُخرى نودع وبكل حرقةٍ في القلب أحد أمراء هذا الوطن، نفس القصة والألم يُعادان كلما رحل عنا أحد أمرائنا، هذا الإحساس عاصرته حينما كنتُ طفلاً من خلال الحزن الذي خيَّم على العائلة عند رحيل الشيخ عبدالله السالم عام 1965م قبيل وفاة والدي بأسبوعين «شيخ الحرية والدستور» الذي نعاه والدي بقصيدةٍ لم تكتمل وما زالت لديّ بمفكرة جيبه الحمراء، ومرةً أُخرى عند رحيل الشيخ صباح السالم عام 1977م صاحب بيت الشعر الخالد «أنا وشعبي كلبونا جماعة، الدين واحد والهدف أخدم الشعب لو ضاق صدر الشعب ما أستر ساعة الضيق من ضيقه وأستر لو حب»، وأما رحيل أمير القلوب الشيخ جابر -رحمه الله تعالى- فكان أمراً آخراً فقد عاصرنا معه نهضة الكويت والاحتلال الغاشم وتحريرها سنواتٍ طوال كان من خلالها جزءاً من وجدان كل كويتيّ، حقبةٌ قاد بها البلاد في أصعب وأمرّ الأوقات، وجاء من بعده الشيخ سعد، الأمير الوالد رفيق درب الشيخ جابر وبطل تحرير الكويت، ومن ثم رحل أمير الإنسانية الشيخ صباح، الأمير الذي وضع الكويت بالمقامات العليا في السياسة الخارجية والذي قاد دفة البلاد وبكل حنكة إبان القضاء على نظام صدام وفوضى الربيع العربي، الأمير الذي حافظ على وحدة شعبه وأبعده عن الصراعات الخارجية وحركة الدواعش، واليوم نودع السّاجد العابد أمير التواضع والمحبة والعفو ومخافة الله، حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح -طيب الله ثراه- رحل صديق المساجد نواف الخير من أبكته قلوبنا قبل أعيننا، رحل قائدنا الغالي بعد مسيرةٍ طويلةٍ من الأعمال الجليلة والتضحيات الكبيرة التي قدمها سموه -رحمه الله تعالى- طوال حياته من أجل النهوض في البلاد في مختلف المجالات، عمل من خلالها على الوحدة الوطنية ورفعة الكويت وتنميتها، رحل من أحب شعبه فأحببناه، رحل من آمن بقدرات الكويت والكويتيين إذ قال يوماً «تاريخ الكويت يشهد على أن هذه الدولة الصغيرة تمكنت دائماً من تجاوز المِحن والعقبات مهما تعاظمت بفضلٍ من الله تعالى ووقوف شعبها صفاً واحداً صلباً خلف قياداته المتعاقبة»، فعظم الله أجركم آل صباح وعظم الله أجر أهل الكويت، ونسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحماته، وأختم وأقول لا يوجد شعب على هذه الأرض يحب ويوالي حكامه مثل الشعب الكويتيّ ولا يوجد حكام كآل صباح، عهدٌ بين الحاكم والمحكوم خُطَّ بماء من ذهب، عهدٌ ولدنا عليه ونموت عليه ولكن هذا هو حال الدنيا وما هي إلّا محطة عبور، وكلنا أمل أن يتكاتف الحاكم والحكومة بالمرحلة القادمة لنهضة هذا الوطن والحفاظ على كيانه ومستقبله ومستقبل أبنائه، ونسأل الله تعالى أن يديم علينا هذه النعمة وأن يرحم أفاضلنا «عبدالله وصباح وجابر وسعد وصباح ونواف» فالعظماء في عُرف التاريخ لا يموتون بل يخلدون في صفحات المجد، ونسأل الله تعالى أن يطيل بعمر أميرنا الشيخ مشعل ويديم عليه موفور الصحة والعافية فهو لنا خير خلفٍ لخير سلف، وأن يحفظ الكويت وأهلها من كل مكروه.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادرالأثنين الثامن عشر من ديسمبر 2023 (الرابط الإلكتروني).

ورحل السّاجدُ العابدُ  -  PDF