الجمعة العقارية

essay image

دائماً ما يُفاجئني ابن أخي عبدالله، المدير النشط لدار العثمان، بطروحاتٍ جديدة وأفكار هادفة لخدمة المجتمع الكويتي، وهذه المرة كانت بتشجيعي للقاءٍ تصويري لسلسلة حلقاتٍ تُعرض على قناة باليوتيوب، والهدف منها هو توثيق التاريخ الكويتي وحفظه من خلال ما نملك من وثائق في أرشيف العائلة، وحقيقةً في البداية ترددت، خاصةً أنني دائماً أتجنّب اللقاءات التي تهدف لـ«الشو الإعلامي» والاستعراض، فخطي منذ البداية إصلاحيٌّ – إيجابيّ يقوم على النقد المجتمعي البنَّاء، ولكن سرعان ما تشجعت، عندما شاهدت الحلقات المعروضة سابقاً على اليوتيوب والمقابلات المصورة، فوجدتها ذات محتوى راقٍ ومفيد، وكذلك اتضح لي أيضاً أن هذه الحلقات والمقابلات لا تتم إلا بعد جهدٍ كبيرٍ وبحثٍ مُعمّق في الكثير من البحوث والمراجع، من قبل فريق الإعداد القائم على البرنامج، فعزمت الموافقة على هذا اللقاء، انطلاقاً من المستندات والوثائق المحفوظة عندنا في أرشيف العائلة، والتي يفوق عددها المليون ورقة ووثيقة، يزيد عمر بعضها على مئة عام، والتي نعمل حالياً على أرشفتها بطريقة إلكترونية حفاظاً عليها من الضياع، فارتأيت طرحها في هذه الحلقات، ليس من باب التفاخر، إنما من باب التدوين لحقبةٍ مهمةٍ وأساسيةٍ من حقب المجتمع الكويتي، ومن باب إنصاف هذا المجتمع وحفظ تراثه من الضياع، فالأرشيف هو الشاهد الناطق على التاريخ، فكانت هذه المقابلة المُمتدة على عشر حلقاتٍ ثرية بالمواضيع التاريخية والتجارية والعقارية، بواقع ثلاث جلسات تصوير وعشر حلقات تحضير، جمعنا خلالها كل ما يلزم من وثائق تاريخية محفوظة في أرشيفنا، وصراحة إنه لعمل مُضنٍ ومختلف في طريقة إعداده وطرحه للمتلقي، فلم تكن حلقات التصوير ارتجالية أو شبيهة بالبودكاست المنتشر حالياً، إنما كانت حلقات محضرة بطريقة غير معهودة، فقُسّمت هذه الحلقات على سلسلةٍ مكونةٍ من ثلاث مراحل متتالية، عُنونت بـ«أرشيف العثمان»، تطرقتُ في القسم الأول منها للجذور التاريخية للعائلة، ولسيرة الجد المرحوم عبداللطيف العثمان، مُقدماً بذلك صورةً دقيقةً وتفصيلية للحياة التجارية والبيئة المجتمعية، التي تكوَّن منها المجتمع الكويتي قديماً، بما تحمل من مضامين ومبادئ معيشية، أعطت هذا المجتمع هويةً خاصة لِما تميّزت به من ترابطٍ اجتماعيٍّ وتعاضدٍ أُسريٍّ وتكاتف بين أبناء البيئة الواحدة. أما في القسم الثاني فقد تطرقتُ فيه لسيرة حياة الوالد المرحوم عبدالله العثمان، بدءاً من مراحل حياته الأولى، ودراسته في المدرسة المباركية مع إخوته، ومن ثم بداية حياته المهنية في رحلات الغوص والطواشه مع آل الفرحان، منتقلاً بعد ذلك لبداية نشاطه العقاري، وتأسيس ثروته التي وظَّفها في ما بعد في العمل الخيري داخل الكويت وخارجها، كما احتل الحديث عن متحف بيت العثمان حيزاً كبيراً من هذا القسم، كونه يمثل نموذج البيت الكويتي القديم بكل تفاصيله، وبحكم أن البرنامج هو «الجمعة العقارية»، كان لا بُدَّ لنا من التطرق في القسم الثالث والأخير للواقع العقاري في الكويت، فقدمت بذلك تحليلات عقارية بأسلوبٍ بنَّاء ووصفٍ دقيق لهذا القطاع، منطلقاً بذلك من واقع خبرتي العقارية والمصرفية والمهنية، وقد حرصت كل الحرص في هذه الحلقات على عدم ذكر الأسماء والشخصيات، خاصةً في ما يتعلق بالعقار، لأن الهدف الأول من هذه الحلقات هو الوقائع والحكمة منها، والبعد عن الشخوص والإثارة، والإجابة على كل الأسئلة التي لطالما يطرحها عليّ الأقرباء بحكم دراستي وتحليلي لهذا الأرشيف، لذا آمل أن تنال هذه السلسلة إعجاب المتابعين، وأن نكون قد ساهمنا في توثيق تلك الحقب المهمة لكل باحثٍ ومُلم بالتاريخ الكويتي القديم. وفي هذا السياق، لا بُدَّ لنا من التوجه بالشكر الجزيل للمقدم والباحث العقاري علي الصفار، وللمخرج عبدالله الخراز، ولفريق الإعداد كاملاً، ولمركز البحوث والدراسات في دروازة الصفاة العقارية، على جهودهم المبذولة في سبيل توثيق التاريخ الكويتي، وسعيهم الدؤوب لحفظ التراث من الضياع والاندثار.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء العشرون من فبراير 2024 (الرابط الإلكتروني).

الجمعة العقارية -  PDF  

عدد الزائرين:

73 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr