الداخل مفقود.. والخارج مولود

أكمل اليوم ما كنت قد بدأت به في المقال السابق عن تجربتي مع علاج والدتي – حفظها الله – في بعض المستشفيات الخاصة، فبعد تنظيف كارت عافية بفحوصات ما لها أول من آخر، وقبل أن تصدر النتيجة يرفضون استكمال علاجها ويحولونها إلى مستشفى مبارك، واليوم مقالنا عن مستشفى مبارك ذلك المستشفى المُثقل بالهموم، وكما يُقال «الداخل فيه مفقود والخارج مولود»، والله يعين الاطباء والعاملين به قبل المرضى على الجو المغم والمحبط بأروقته ومتاهاته، فالمبنى يحتاج إلى الكثير من الصيانة، والأفضل إعادة تأهيله بالكامل؛ ليتمكن من تحمل الضغط الكبير عليه، كونه يخدم كثافة سكانية عالية، أما في ما يتعلق بخدمات المستشفى، فحاله كحال بقية المستشفيات، إذ على المريض أن يصطحب معه أغراضه حتى المحارم الورقية تُفقد أحياناً، وأذكر قبل عشر سنوات أو أكثر تواصل معي طبيب من أحد المستشفيات المُتخصصة وطلب مقابلتي، وفعلاً حضر مع زميل له وكان طلبهم أن نُسهم في احتياجات المستشفى، وبأول وهلة توقعت منهم طلب تبرع ببناء جناح أو مبنى ولم أتوقع أن يكون الطلب هو التبرع لشراء ٣٠ بطانية! وقلت لهم: «ما فهمت طلبكم فسروا يمكن أفهم»، واستغربت الإجابة، ووفق ما أذكر يقولون إن التكييف شديد البرودة وما عندهم حق التحكم بدرجة التكييف، وعليهم تقديم طلب لإدارة الخدمات في الوزارة، والإدارة ما ترد عليهم، وما عندهم عدد بطانيات تكفي المرضى، وأذكر أن هذا المستشفى كان بتبرعٍ كريمٍ من إحدى المؤسسات المالية، ورد عليّ الدكتور وقال: «إبان صيانة المتبرع كانت الأمور ممتازة، وبعد أن آلت للوزارة تدهور الوضع»، وبعد تجربتي مع مستشفى مبارك اتضح لي أن الأمور لم تتحسن في ما يتعلق بالخدمات المساندة للمستشفيات، وعلشان أكون عادلاً فمستوى الرعاية الصحية كأطباء كان ممتازاً وأفضل من «الخاص»، ولكن المشكلة هي أنه من الصعب تلاقي الطبيب اللي يأخذ ويعطي معاك ويشرح لك شنو صاير، وذلك قد يكون لأسباب عدة، أولها هو الضغط الكبير الذي على المستشفى، فهو يخدم محافظة حولي المكتظة بالسكان مما يضع ضغطاً على الأطباء، وثانياً مصادفة دخول الوالدة إلى المستشفى يوم الخميس وكان عطلة للانتخابات، وبعدها جمعة وسبت، يعني ما في أطباء إلا للطوارئ، عدا عن أن البعض من الأطباء العاملين في القطاع الحكومي عندهم عيادات خاصة بعد الدوام، والمثل الكويتي يقول: «صاحب البالين كذاب» يعني يطلع من المستشفى وبسرعة للعيادة الخاصة، وللأمانة الطاقم التمريضي كان ممتازاً، ونرجع للمشكلة الأزلية في مستشفيات الكويت، ألا وهي الغرفة الفردية أو الخاصة، فبعد مكوث الوالدة في الطوارئ لأكثر من ساعتين تقرر دخولها المستشفى ووضعها في غرفة مشتركة مع مريضة أُخرى، وهذه المريضة لها قصه ثانية راح أتكلم عنها بمقال قادم، وطلبنا لها غرفة خاصة كونها كبيرة في السن، وحتى لا تتعرض للعدوى بأمراض أُخرى، وطبعاً أتى ردهم المعتاد: «ما عندنا، المستشفى ممتلئ»، وطبعاً هذا كلام ما هو دقيق، وبعدها قالوا: «الغرف بيد مدير المستشفى، ولكن الآن عطلة وهو مو مداوم»، وطبعاً هذا الكلام من بعض الموظفين هناك ومادري ما مدى دقته؟، ولكن بعد اتصال تغيّر الوضع ونُقلت الوالدة إلى غرفة خاصة، وصرنا نشوف الدكاترة، وهذا أيضاً يذكرني بموقف مع أخي الدكتور سعيد العثمان – رحمة الله عليه، فقبل عشرين عاماً وإبان إدارته لمستشفى الولادة اتصل عليّ صديق وطلب مني أكلمه بخصوص غرفة لزوجته، وفعلاً كلمته وقال لي رحمة الله عليه: «ما يحتاج تكلمني، ولا هو يحتاج يكلمني، هو بس يروح عند سكرتيرتي وهي ترتب له»، وأذكر أني سألته حينها: «إذا الغرف متوفرة وأي واحد يقدر يحصل عليها من سكرتيرتك ليش الموضوع عندك؟» رد عليّ وقال: «كل مواطن مو كل واحد، لأن الغرف محدودة والأولوية للمواطنين وعلشان أضمن عدم التلاعب خليت التخصيص بمكتبي»، وبعد عشرين عاماً الظاهر الغرف الخاصة بيد مدير المستشفى قد يكون ما زال هو العرف السائد، فرجاء خاص إلى معالي وزير الصحة ترى مو كل واحد عنده واسطة ومو كل واحد عارف نظامكم، فالرجاء أن يكون تخصيص الغرف الخاصة بدون أي واسطة ولا سؤال على الأقل لكل متقاعد أو كويتي تجاوز الستين من العمر، فهم الأولوية وهذا حق الوطن عليهم وذلك لحين انتهاء الدولة من تطوير كل مرافقها، وتستطيع أن تقدم خدماتها للجميع ومن دون واسطة أو معرفة مسؤول.
***
أتقدم بكل الشكر لكل من سأل عن صحة والدتي، وأدام الله عليكم وعلينا الصحة والعافية، والشكر موصول الى الدكاترة وجهاز التمريض، وأقول جزاكم الله خيراً وحفظ الله الكويت وأهلها الطيبين.
وتسلمون.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الأربعاء الأول من مايو 2024 (الرابط الإلكتروني).
الداخل مفقود.. والخارج مولود - PDF




