حريق المنقف

essay image

فُجعت الكويت، صباح يوم الأربعاء الماضي، بحريق عمارة في المنقف، راح ضحيته أكثر من 40 قتيلاً، وكل التعازي لذوي المتوفين، ونتمنى الشفاء العاجل للمصابين، وطبعاً وجود معالي وزير الداخلية في الموقع وتصريحاته الصارمة حركت المياه الراكدة في أروقة البلدية والإطفاء وغيرها من مؤسسات الدولة، الربع حاشتهم خرعة خلتهم خلال ساعات يدورون على المئات من العمارات المخالفة، واللي سووه بيوم بقدر اللي سووه بعشرين سنة، وبسرعة البرق أُوقف بعض القياديين عن العمل، المهم تصريحات الحكومة من كل حدب وصوب، وجل السهام توجهت لملاك العقارات والشركات المخالفين وكأنهم أبرياء مما حدث كبراءة الذئب من دم يوسف، وبواقع الأمر هي منظومة مهترئة يشوبها الكثير من المخالفات والتسيّب وتعارض المصالح، وخلونا نتكلم من غير انفعال وعلى أمل أن تكون تلك الفاجعة نهاية لتلك المنظومة الفاشلة، وأبدأ بسؤال معالي الوزير لأحد الموجودين، ولا أدري إذا كان حارس العمارة أو مندوب الشركة المؤجرة، المهم سأله معالي الوزير كم عامل ساكن في العمارة؟ وكان الجواب على ما أذكر 170 عاملاً، وقد استغرب الكثيرون من هذا العدد الكبير وهذا التكدس اللاإنساني، وشخصياً أنا لم أستغرب أبداً، فقد كتبت أكثر من خمسين مقالاً عن تكدس العمالة والمخالفات وقصص البلدية، وقدمت دراسة كاملة للسيد رئيس المجلس البلدي تحلل مشروع تعديل قانون السكن الخاص والاستثماري، ولكن ما حد صوبك، ولا يستغرب أحد إن قلت إن بعض عمارات العزاب تؤجر بالفراش وليس بالغرفة، المهم بختصر وبنقاط أقول: أولاً، تكدس العمالة في الجليب وامتدادها إلى منطقة المهبولة والمنقف وكذلك حولي، إنما هو نتاج تقاعس بعض أجهزة الدولة بإنشاء المدن العمالية التي صارت مثل بيض الصَّعو نسمع عنه وما نشوفه كما يُقال، فالبلد ينمو ومدن متكاملة تنشأ وكلها تحتاج للعمالة، فأين وكيف يسكن هؤلاء البشر؟ وكذلك الشح الكبير بالوحدات التخزينية في البلاد، ما جعل التخزين بالسراديب البديل المتوفر، فإذن الذنب ايضا على بعض أجهزة الدولة بهذا الشأن. ثانياً، المؤسسات والشركات الحكومية وشبه الحكومية اللي تتعاقد مع الشركات لتوفير عمالتها، سواء لمشاريعها أو عملياتها، ومنها عمال النظافة، كل مناقصاتهم تستهدف أقل الاسعار وما فكروا أن بعض الشركات تخفض السعر، وطلع فرق الربح على ظهر هؤلاء المساكين، وما حد فيهم فكر يحط شروط السكن والحد الأدنى للمرتب كبند في المناقصة، الجماعه يريدون التوفير على ميزانية الدولة، ولكن للاسف هذا التوفير جاء على حساب هؤلاء الضعفاء، لذلك يجب على الدولة أن تقوم بمراجعة أُسس التعاقد بما يضمن حقوق العمال والحد الادنى لرواتبهم والسكن الملائم لهم، وان ادى ذلك الى ارتفاع التكلفة. ثالثاً، وزارة الشؤون، وما أدراك ما وزارة الشؤون، فهناك ما يقارب 200 ألف مخالف للإقامة، فأين يسكنون؟ بالشيراتون مثلاً؟ أم في مثل تلك العمارات المنكوبة؟ لا، بل أسوأ! فالمنقف والمهبولة بجانب منطقة الجليب، التي قد توصف بمناطق خارجة عن نطاق القانون، وأعتقد أن كل أجهزة الدولة على علم بما يحدث هناك، وأتمنى على وزارة الشؤون والبلدية وضع ضوابط السكن الجماعي والكشف على تلك العمارات بشكل دوري واصدار شهادة سلامة مبنى لكل عقار. رابعاً، البلوى الأساسية في بلدية الكويت وقانون البناء الأعرج والترقيع بالقرارات الوزارية. وعندي سؤال: عندما تقوم البلدية بالترخيص لثلاثة أدوار منفصلة ومع شقة بالسطح لسكن عائلة ممتدة، طبعاً كلمة «ممتدة» جديدة علينا، ويمكن أن تكون تعني سكن أكثر من عائلة في المبنى، بس يصيرون حق بعض، زين محد لاحظ أن اللائحة ما فيها أي متطلبات للإطفاء؟ لا مرشات ولا طفايات ولا غيرها؟ وانا ما تكلمت عن المنازل المخالفة ومقسمة الى اكثر من ١٢ شقة، ولا تكلمت عن السراديب المؤجرة للتخزين في السكن الخاص وأعتقد كل مسؤول يدري عن هذه السالفة، وباجر لما تشب حرائق لا حد يقول ما ادري، واعتقد بأن قانون البناء وتصنيف المناطق والمخططات الحضرية تحتاج إعادة نظر من أصحاب خبرة واختصاص من خارج رحم البلدية، ففاقد الشيء لا يعطيه كما يُقال.

وختاماً أقول عزيزي معالي وزير الداخلية، شكرًا لك، وآمل ان تكون الحلول متوازنة ومترابطة وقابلة للتطبيق، فمخالفات المواطنين جاءت بناءً على تراخي بعض أجهزة الدولة لعقود طويلة، فهم شركاء بالخطأ، وعليه فإن إزالة المخالفات تحتاج تغييراً بالقانون، وأوله قانون الإيجار، فالمواطن بموجب هذا القانون لا يستطيع إزالة مخالفته بوجود مستأجر يحميه هذا القانون، فالأصل تغيير القانون وإفقاد الحجة التعاقدية على أي عين مخالفة، فيمكن إخراج المستأجر فورا وإزالة المخالفة، وعدا ذلك سوف تجد المحاكم تزدحم بقضايا المخالفات لسنوات طوال. وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الخميس العشرون من يونيو 2024 (الرابط الإلكتروني).

حريق المنقف -  PDF