المناهج وجسر الحضارة

بعد أن قرعنا الجرس، في المقال السابق، وتحدثنا عن ضرورة تغيير المناهج واستعادة روح التعليم الحقيقي، الذي عرفناه في الستينيات، جاءتني الكثير من التعليقات، وفي بعضها مناكفة سلبية، ومنها أن المناهج الجديدة تم إعدادها على عجالة، وهناك الكثير من الأخطاء اللغوية، والدليل على ذلك تشكيل معالي وزير التربية لجنة تحقيق، وأن المقال به نوع المجاملة، وبالواقع أقول لهم: عليكم قراءة المقال بعمق وتأنٍ، فكلامي ينصب على البدء في التغيير، والتغيير يحتاج إلى وقت، فهو كالبناء الجديد يحتاج الى سنوات من التصميم والترخيص، ومن ثم البناء، أما الهدم فماكو أسهل منه، رخصة هدم تطلع بيوم، ومقاول هدم ينزله لك بأسبوع، واليوم نرى وزيراً وجهازاً معه يهزون عرش المناهج المتهاوي، فعلينا أن نقف معهم ونساعدهم على ذلك، ويكون نقدنا بناءً يساعد على التطوير، بعيداً عن الشخصنة والتسيس، وأقول وأسألهم ما الذي نريد أن نُعلّمه أبناءنا؟ وما المحتوى الذي يجب أن تحمله هذه المناهج الجديدة؟ والإجابة وجدتها في مقال لابن أخي الكاتب عبدالله العثمان، وأنقلها «بتصرف»، وإن كانت نظرة أكاديمية إلا أنها تستحق التأمل، فهي تكمن في استعادة الوعي بتاريخنا الحضاري، ذلك التاريخ الذي يجهله كثيرٌ من طلبتنا، فتغيير المناهج لن يكتمل إلا حين نُعيد لأبنائنا صلتهم بحضارتهم، وحين يعرفون أن رواد هذه الحضارة كانوا صُنّاع حضارة أثّروا في مسار الإنسانية.
ففي لحظةٍ من لحظات التاريخ الفاصلة، وحينما كانت أوروبا تغطّ في ظلامٍ طويل، وركودٍ حضاري وانحسار فكري وعلمي، كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها، ومدن الإسلام تضيء بالعلم والمعرفة كنجومٍ متلألئة على خريطة الحضارة، فبين بغداد وقرطبة ودمشق، كانت تُترجم كتب الفلاسفة اليونان إلى العربية، وتُقرأ في مجالس العلماء لا على أنها تراثٌ جامد، بل مادةٌ حيّة تُفكّك وتُناقش وتُبنى عليها تصورات جديدة، هناك ظهر الفارابي والكندي وابن سينا وابن رشد، لا بوصفهم نقلةً لفكرٍ غريب، بل صُنّاع فكرٍ جديد مزج بين نور الوحي ووهج العقل، هؤلاء لم يكتفوا بنقل كلام أرسطو وأفلاطون، بل أعادوا تشكيله في منظومة عقلية متكاملة جعلت العقل خادماً للحقيقة لا عدواً لها، وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تغلق على نفسها أبواب التأمل، كانت الأندلس تفتح نوافذها لكل من أراد أن يرى العالم بعينٍ جديدة، هناك، في طليطلة بدأت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، فانتقلت كتب ابن سينا في الطب والفلسفة، وشروح ابن رشد لمنطق أرسطو، ورسائل الفارابي عن المدينة الفاضلة والعقل الفعّال، لتصبح الجسر الذي عبرت عليه أوروبا من العصور المظلمة إلى فجر النهضة، لم تكن تلك الترجمات مجرد كلماتٍ منقولة، بل كانت شرارةً أشعلت في أوروبا فكرة المنهج العقلي، وعلّمتها أن التساؤل لا يناقض الإيمان، وأن الملاحظة والتجربة طريقٌ لفهم أسرار الخلق، من تلك المعارف وُلد المنهج العلمي الحديث، وبدأت الجامعات الأوروبية على مثال المدارس النظامية وبيوت الحكمة في العالم الإسلامي، ولذلك، حين بدأ الأوروبيون ينهضون، كانوا في الحقيقة يسيرون على أثر حضارةٍ مدت إليهم يدها عبر الزمان، إنها دورة الحضارة التي تُثبت أن المعرفة لا تموت، بل تنتقل ممن يُحسن حملها إلى من يستحقها، وأن ما زرعه المسلمون من فكرٍ وعقلانية في زمنٍ مضى، أثمر بعد قرونٍ نهضةً عالمية غيرت وجه التاريخ، واليوم، والدروس من هذا التاريخ أمامنا، يظل السؤال: أين نحن من هذا الإرث؟ ولماذا أصبحنا مستهلكين للمعرفة بعد أن كنا منتجين لها؟ وماذا نفعل لنستعيد مكانتنا الحضارية؟ الجواب يكمن في احترام العلم والمعرفة، وتطوير التعليم، والبحث عن الحقيقة بعقل مفتوح، ومزج العقل بالإيمان والأخلاق. علينا أن ننقل إرثنا الثقافي والفكري، وأن نبتكر وننتج كما فعل أسلافنا، فإعادة حضارتنا تبدأ بفكر واعٍ، ومنهجية صحيحة، وعقل يقدر على السؤال والتجربة، وأن نخلق بيئة تحفّز المعرفة، وتُنمي الابتكار، وتُعيد لنا روح الريادة التي أضاءت العالم من قبل، فكما نقل المسلمون نور العقل إلى أوروبا، يمكننا اليوم أن نبني جسرنا الخاص نحو مستقبل حضاري مزدهر.
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الرابع من نوفمبر 2025 (الرابط الإلكتروني).
المناهج وجسر الحضارة - PDF




