مسجد العثمان والتميُّز الخليجي

essay image

حين تلتقي العبادة بالاستدامة، تتجلى رسالة المساجد في أبهى صورها، صورة تجمع بين النور الروحي والوعي الإنساني، وتُعلّمنا بأن عمارة الأرض جزءٌ من عبادة الله سبحانه وتعالى، لذا ارتأيت اليوم أن أصطحبكم معي في رحلة نجاحٍ استثنائي تحقق في مسجد المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان في النقرة، حيث حصل على جائزة التميز الخليجي لكفاءة الطاقة وترشيد الكهرباء والماء لعام 2025، وذلك خلال فعاليات المنتدى الخليجي، والذي انعقد تحت رعاية وحضور معالي وزير الكهرباء والطاقة المتجددة د. صبيح عبدالعزيز المخيزيم، إذ استطاع هذا المسجد التاريخي والتراثي الذي يعود لخمسينيات القرن الماضي، أن يحقق هذه المعادلة الصعبة، القائمة على الجمع بين الطابع الإسلامي والتراثي من جهة والتنمية المستدامة بأعلى معاييرها العالمية من جهة أُخرى، ليغدو بذلك نموذجاً رائداً يخبرنا بأن الجمع بين الأصالة والمعاصرة ليس حلماً بعيد المنال، بل حقيقة ملموسة تتحقق بالرؤية الواعية والجهود المخلصة، ليأتي هذا الإنجاز اليوم ضمن سلسلة من المشاريع النوعية التي ينفذها ثلث المرحوم عبدالله العثمان في إطار رؤيته الاستراتيجية لإعادة هندسة العمل الوقفي الخيري، وقد جسد مشروع إعادة تأهيل مسجد العثمان هذه الفلسفة بشكلٍ متكامل، حيث تمت عملية الترميم وفق أعلى المعايير العالمية المتبعة في صيانة المباني التاريخية، مع الحفاظ على الهوية الجمالية والروح المعمارية الأصيلة للمسجد، وفي الوقت ذاته تم إدخال منظومات متقدمة لترشيد استهلاك الموارد، شملت نظاماً مبتكراً لإعادة تدوير مياه الوضوء واستخدامها في أعمال الغسيل والري، إضافة إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية لتغذية بعض مرافق المسجد، فضلاً عن تطبيق نظام «المسجد الذكي» الذي يتيح التحكم الآلي في الإضاءة والتكييف بناءً على أوقات الصلاة وعدد المصلين، بما يحقق ترشيداً عملياً في استهلاك الطاقة دون المساس براحة المصلين، وتجدر الإشارة كذلك لحصول المسجد على الشهادة المبدئية LEED العالمية بالمرتبة الذهبية من المجلس الأمريكي للمباني الخضراء، ليكون بذلك أول مسجد في الكويت ينال هذه الشهادة، وأول مسجد تراثي في العالم يحصل عليها، وتتجاوز أهمية هذا الإنجاز جدران المسجد لتصل إلى مستوى وطني وإقليمي، فهو يضع الكويت في مقدمة الدول التي تقود مبادرات الاستدامة في مجال عمارة المساجد، ويفتح الباب أمام تعميم التجربة في مبانٍ عامة أخرى، فمبارك لكويتنا هذا الفخر والإنجاز، ونحمد الله تعالى على هذا التوفيق، ولا يسعنا سوى أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لمعالي وزير الشؤون الإسلامية الدكتور محمد إبراهيم الوسمي ولكل العاملين بالوزارة الذين لم يألوا جهدا بدعم المشروع، ولجنة أوصياء ثلث المرحوم عبدالله العثمان والهيئة العامة لشؤون القُصَّر، والمعمارية زهراء علي بابا من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وللدكتور عمر خطاب والدكتورة دلال قاسم من كلية العمارة بجامعة الكويت، ومحفظة العثمان العقارية ولدار العثمان، فالتعاون الجميل بين مؤسسات الدولة المعنية مع ثلث العثمان كان عاملاً أساسياً في تحقيق هذه النتائج المتميزة، كما نتوجه بالشكر الجزيل إلى السيدة فتوح الرقم رئيسة لجنة التحكيم لجائزة التميز الخليجي، وكنا نأمل من الاخوة القائمين علي تلك الجائزة بوزارة الكهرباء لو تم تسليط الضوء اكثر على المشاريع الفائزة بهذه الجائزة، وكما جاء بتغطية وكالة كونا بان عدد المشاركين بالمسابقة ٢٤، والفائزين ٧، والحمدلله، اثنان منهم من الكويت وهذا انجاز كبير للكويت، فان تعميم أسباب تميزها ونجاحها لتعم الفائدة على الجميع وتتحول نتائجها لآليات قابلة للتطبيق للهيئات والجهات الراغبة بالاستفادة من مخرجاتها، مما يسهم في نشر ثقافة الاستدامة البيئية، فالتحديات البيئية التي نواجهها تتطلب تضافر الجهود وتبادل الخبرات، ولا ننسى ان الشق الاعلامي له دور كبير بنشر التوعية، ونأمل أن تكون تجربة مسجد العثمان وسائر التجارب المتميزة في الجائزة مصدر إلهام للمشاريع المستقبلية، وليكون هذا المسجد سفينة المقدمة ونموذجاً للمشاريع التراثية والصديقة للبيئة كما كان سفينة المقدمة للعمل الخيري.

وتسلمون.

جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثامن عشر من نوفمبر 2025 (الرابط الإلكتروني).

مسجد العثمان والتميُّز الخليجي - PDF