مناصب عابرة وبصمات باقية

على مدى خمسة عقود من التعامل مع الهيئة العامة لشؤون القُصَّر، شهدت فيها على تعاقب قيادات كثيرة على إدارة هذه المؤسسة العريقة، وفي كل مرة كنت أزور فيها مكتب المدير العام، كان ذلك الهرم الرخامي الأسود يذكرني بحقيقةٍ بسيطة وعميقة في آن واحد، ألا وهي أن المناصب عابرة والبصمات باقية، فكلما جاء مدير جديد ارتفع الهرم ليضاف اسمه على مصطبة جديدة، وكنت أتأمل تلك الأسماء المنقوشة وأتساءل عما تركه كل واحد منهم خلفه، واليوم لا أعلم مآل ذلك الهرم الرخامي، لكني أعلم يقيناً أن المهندسة دلال محمود النوري التي نودعها اليوم بمناسبة تقاعدها قد تركت بصمة لا تحتاج إلى نقش على رخام، إنما نُقش اسمها في واقع المؤسسة التي أدارتها وعملت بها لما قارب الثلاثة عقود وبكل إخلاص، ومما لا شك فيه أن العمل في شؤون القُصَّر ليس كالعمل في أي مؤسسة أخرى، فمن يمسك هذا المنصب لا بُدَّ أن يجمع بين قلبٍ كبير رؤوم بالأيتام والإدارة الحصيفة، فهو مسؤول عن أيتام الكويت ووصي على أموالهم ومنفذ لوصاياهم، وهو المساءل أمام الله قبل القانون، وهذا ما وجدناه بإدارتها إبان رئاستها للجنة أوصياء ثلث المرحوم عبدالله العثمان، فقد جمعت بين القلب الكبير والإدارة الرشيدة، وبالرغم من المدة القصيرة نسبياً في هذا المنصب، إلا أنها أثبتت جدارتها وساهمت بمشاريع عديدة للوقف وكانت داعمة لحصول مسجد العثمان على شهادة LEED العالمية وكذلك داعمة لحصول الوقف على شهادات الجودة (ISO) العالمية، وما نقول إلا كفت ووفت وما قصرت، ومن باب ما رأيت عن كثب فقد لمست حرصها على مواصلة مسيرة التطوير في الهيئة والحفاظ على مستوى الخدمات المقدمة للمستفيدين، كما وأولت اهتماماً كبيراً للبرامج التوعوية والتدريبية لتأهيل الطلبة القُصَّر، ومن تلك المشاريع الطموحة التي تشرفنا بالمشاركة فيها خلال فترة توليها، مشروع بادر ويانا، هذا المشروع النوعي الذي يقوم على الاستثمار الفعّال في أبنائنا القُصَّر من خلال استثمار وقتهم وصقل مهاراتهم، فقد تشرفنا بتوفير التدريب الميداني للطلبة في مجمع البروميناد، كما شاركنا في برنامج «شباب ناجحون» من خلال دار العثمان، والذي تضمن دورات تخصصية متنوعة لأبنائنا القُصَّر، وهذه المشاريع وغيرها لم تكن لتنجح لولا الإدارة الحكيمة التي تمتعت بها تلك الهيئة، الأمر الذي يؤكد لنا أن النجاح على مر السنين هو نتاج تراكم جهود القيادات المتعاقبة التي عملت بإخلاص على تطوير هذه المؤسسة، واليوم تغادرنا المهندسة النوري تاركة إرثاً من العطاء، لتؤكد لنا أن المناصب تتغير والوظائف تتداول، لكن ما يستمر فعلاً هو الأثر، وبجدها وجهدها مثلت لنا نموذجاً مشرفاً للمرأة الكويتية القيادية، وليست الوحيدة، فقد ودعنا مؤخراً السيدة تماضر عبداللطيف العمر من لجنة أوصياء ثلث المرحوم عبدالله العثمان، والتي كان لها بصمة واضحة في العمل الخيري ودور بارز في لجنة الأوصياء، والكويت ولادة بنسائها ورجالها، فقد أثبتت المرأة الكويتية عبر عقود أنها شريك أساسي في بناء الوطن وتطويره؛ وهنا رسالة لا بُد من أن نتطرق لها وهي موضوع تأهيل القيادات الحكومية، فنجاح قيادات بهذا المستوى يكشف عن ضرورة ملحّة لتحويل الخبرات الفردية إلى قدرات مؤسسية دائمة، فالقيادات ترحل وتتقاعد، لكن يندر وجود برامج تخصصية لتأهيل القيادات المستقبلية، إذ إن ضمان الاستمرارية والتعاقب الوظيفي يتطلب التخطيط للخلافة القيادية لتقليل فجوات الأداء عند تداول المناصب، وبناء المرونة المؤسسية لمواكبة التغيرات الاقتصادية والتحول الرقمي، وتعزيز الحوكمة والمساءلة وفق أفضل المعايير الدولية، ولتحقيق ذلك، لا بُد من تصميم برامج تطوير قيادية متخصصة تركز على الكفاءات القيادية الحكومية، وإنشاء أنظمة توجيه وإرشاد تربط القيادات الشابة بذوي الخبرة لنقل المعرفة المؤسسية، فالمؤسسات الناجحة لا تُبنى على جهود فردية فقط، وإنما على التراكم المعرفي والمؤسسي الذي يضمن استمرار العطاء والتطور، وبذات السياق أود أن أتقدم بالشكر الجزيل لأعضاء مجلس إدارة الهيئة المنتهية مدتهم على كل ما قدموه من جهدٍ وتفانٍ بخدمة ورعاية القُصَّر ووقف الوالد خلال العقود الماضية، وإننا على يقين بأن القادمين من القياديين وأعضاء مجلس الإدارة سوف يكونون خير خلفٍ لخير سلف. وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الخامس والعشرون من نوفمبر 2025 (الرابط الإلكتروني).
مناصب عابرة وبصمات باقية - PDF




