النرجسية

في طلعة بحر والجو هذي الأيام جداً لطيف، لكن صيد ما في ولا حتى يميامة، فقعدت أتأمل الغروب والشمس تغيب من خلف مدينة الكويت، ورجع بي التاريخ بعيداً متأملاً بمعارف وصداقات تحولت إلى قطيعة وبعضها عداوة من غير مسبب، وأخذت أربط بين الأحداث ولم أجد سوى ثلاثة أنماط تحول الصداقات والأخوة إلى عداوة غير مسببة، وهي الغيرة والتي تغنى بها الفنان عوض الدوخي، رحمه الله: «الغيرة سبايب لفراق الحبايب»، والسادية بالتصرفات مع الغير، وأما النرجسية فحدث ولا حرج، وأحياناً تجتمع صفتان بشخص وأحياناً الثلاث بشخص، وقد مرّت عليّ هذه الأنماط خلال العقود الخمسة الماضية وتذكرتهم وتحسفت عليهم، ولكن هذه حال الدنيا وقلت خلني أكتب عن تلك الأنماط الثلاثة للفائدة، وبتكلم اليوم عن النرجسية، التي هي ليست مجرد صفة سيئة نطلقها على من يحب نفسه أكثر من اللازم، بل هي نمط نفسي معقّد قد يتسلل إلى حياتنا دون أن نشعر، فالنرجسي الحقيقي لا يرى الناس، بل يرى نفسه فقط، كأنه مركز الكون، يتغذى على كلمات الإعجاب ويعيش على نظرات الإطراء، لا يشبع من الثناء، وإذا لم يسمع كلمات مثل «ما شاء الله عليك» أو «يعطيك العافية» و«أنت ماكو مثلك» لا يشعر بوقود الحياة بداخله، بل وربما بعضهم يرد بثقة زائدة: «أدري»، ولو تحدثت عن إنجازك، سيقاطعك ليبدأ استعراضاً لما فعله هو، ولا رأي يعلو فوق رأيه، في علاقاته يطالب الآخرين بالاهتمام والاحتواء والوقت والجهد، لكنه لا يعطي منها شيئاً، وإن قصّرت معه اتهمك بأنك أناني ومقصر، يستهلكك نفسياً كمن يشحن نفسه من بطارية غيره، ولا يكترث إن فرغت أو انهارت، وفي بيئة العمل، يحب الاجتماعات لا لمتابعة المهام، بل لإثبات أن كل شيء يتوقف عليه، يتحدث أكثر مما يستمع، ويُضخم من دوره ليثبت أنه لا غنى عنه، ففي مخيلته أن كل ما حوله يجب أن يدور في فلكه، والمصيبة الأكبر أن النرجسي ما يوقف عند حد إنه يشوف نفسه، لا... بعد عنده مهارة قلب الطاولة، إذا قلت له: «أنت نرجسي»، يرد عليك بكل برود: «أنا؟! لا يا حبيبي، أنت اللي نرجسي!» وهذي يسمونها بعلم النفس الإسقاط، يعني يرمي عيبه عليك، وفي العلاقات الزوجية الوضع أخطر، لأن النرجسي يعرف يستفز الطرف الثاني لين يخليه ينفجر، وبعدين يتقمص دور الضحية ويقول: «شفت شلون؟ أنت اللي نرجسي وأناني وما تفكر إلا بنفسك»، ومع الوقت يبدأ الشريك يدور في حلقة مفرغة من الدفاع والانتقام، وقد يوصل لمرحلة يشك فيها بنفسه، ويقول: «يمكن أنا فعلاً المشكلجي؟» وهناك نمط اعقد، وهم المتسلقون، واللي نفسهم حيل طويل، هذولا يدخلون حياتك بوجه البسيط المحتاج، يلبسون ثوب الأخوة أو الصداقة أو حتى المظلومية، ويعيشون سنين على كرمك ووقتك وجهدك، تساعدهم وتخدمهم وتفتح لهم أبواب التجارة أو الحياة، ولما يقفون على أرجلهم ينقلبون عليك، فجأة يتحول كل حديث عندهم إلى «أنا وأنا»، ومرات يحاولون يضرونك بلا سبب، والأسوأ إنك تكتشف متأخرا أن كثيرا من مشاكلك كان وراها هالشخص اللي كنت تحسبه أقرب الناس وأصدقهم لك، وهذي النرجسية المتسلقة أخبث من العادية، فهي المختلطة مع سادية التعامل، وما ننسى طبع ثاني عند النرجسي يمكن يكون الأكثر وجعاً: ينسى المعروف بسرعة البرق، ويغض النظر عن تاريخ كامل من الطيب والخير اللي سويته معه، لكنه يحاسبك على كلمة وحدة أو موقف صغير وكأنه سجل عليك جريمة، هذي هي ذاكرة النرجسي الانتقائية، ولعل أجمل تجسيد لهذه الحالة في الأسطورة القديمة حين أحب نرجس صورته في الماء وظل يتأملها حتى ذاب فيها ومات عطشاً، لأنه لم يستطع أن يروي نفسه إلا من صورته، وهي القصة التي اختزلت مأساة النرجسي الذي يظن أن حياته تكمن في جماله أو بريقه، بينما الحقيقة أنه أسير صورته، فالنرجسي لا يرى الناس، بل يرى انعكاس ذاته فيهم، وإذا لم تعجبه الصورة، اتهم المرآة بأنها مشوشة... والحل معاه مو بسيط، لكنه موجود: إما تطنش إذا كنت مضطر، أو تضحك وتغيّر السالفة إذا الموقف يِتحمّل، أو ببساطة تنسحب من حياته إذا صار وجوده يسحب منك كل طاقتك. النرجسي والسادي بالتعامل وصاحب الغيرة المتأصلة منذ الطفولة للاسف ما يتغيّر بسهولة، لكن انت تقدر تختار: يا تصير متفرج وتصفق، يا تمشي وتخليه يمثل بروحه، عزيزي القارئ هذا المقال فقط فلسفي بنكهة كويتية، وانا ليس متخصص بعلم النفس ويمكن اكون قد خلطت بالامور فالمعذرة، ولست أتكلم عن أحد، فقط من واقع التحليل وخيال كاتب...
وتسلمون
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثاني من ديسمبر 2025 (الرابط الإلكتروني).
النرجسية - PDF




