وفاء ابن اللبانة

essay image

كنت في حديث مع ابن أخي عبدالله عما رأيته في البرتغال، وهو يعرف مدى شغفي بتاريخ الأندلس والمغرب العربي، فأخذنا الحديث إلى ابن عباد وأبياته، التي رثى فيها نفسه قبل وفاته، والتي أكررها لجمالها:

قبرَ الغريبِ سقاكَ الرائحُ الغادي حقاً ظفرتَ بأشلاءِ ابنِ عبّادِ

وقلت لعبدالله إن ما حصل لابن عباد يذكرني بمثل قديم متداول بلهجات عديدة في الوطن العربي: «إن طاح الجمل اكثرت سكاكينه»، ويقصد به أنه متى ما سقط حاكم أو ثري، وفقد سلطته، تركه من كان يمجد له الواحد تلو الآخر، بل يتحول بعضهم إلى أشد الناس عليه، ناسين أو متناسين أنه كان ولي نعمتهم، والصديق يصبح أبعد الناس عنه، كأنه مصاب بمرض معدٍ، فاجتهد عبدالله ورجع إليّ، وقال: وجدت لك من لم ينطبق عليه هذا المثل. قلت: زين، من هو؟ فكان الشاعر ابن اللبانة، وشخصياً لم أكن أعرفه، لكن وفاءه لابن عباد وجمال شعره أشرك القارئ وبتصرف البحث، الذي قدمه عبدالله عن ابن اللبانة، فهو أبو بكر محمد بن عيسى اللخمي الداني، المعروف بابن اللبانة، والداني نسبةً إلى دانية إحدى مدن الأندلس، هناك حيث نشأ وترعرع هذا الشاعر الأندلسي يتيماً، وكانت أمه تبيع اللبن لتُعيله، فأطلق الناس عليه هذا اللقب ظانّين أنه نقيصة، غير أنه لم يحمله يوماً بخجل، بل انطلق من تلك البداية القاسية، ليتسلّح بالعلم والأدب وموهبة الشعر، حتى رسّخ اسمه في السجل الذهبي لشعراء الأندلس الكبار.

وكما أن لكل شاعر عظيم لحظة يلمع فيها، كانت لحظة ابن اللبانة حين التقى بالمعتمد بن عباد ملك إشبيلية، ذلك الملك الشاعر، الذي كانت إشبيلية في عهده واحدة من أجمل مدن الأندلس وأكثرها ازدهاراً، ولم تكن العلاقة بينهما علاقة شاعر بسلطان يمدحه طمعاً في عطائه، بل كانت أقرب إلى تلك الصداقات النادرة، التي يصعب تفسيرها، وكان المعتمد يفهم الشعر ويعيشه، أما ابن اللبانة فكان يجد فيه ذلك الصديق، الذي يستحق أن تُكرَّس له المشاعر كلها دون حساب، إلى أن جاء الامتحان مبكراً وقاسياً، حين دخل المرابطون الأندلس، وانهار ملك المعتمد، وحُمل هو وعائلته على سفن أبحرت غرباً نحو المغرب في أغمات، حيث كان السجن في انتظاره بدلاً من القصور والحدائق، وفي تلك اللحظة التي يتفرق فيها الناس عادةً، كما تتفرق الحاشية دائماً حين يسقط الملك، وقف ابن اللبانة على الشاطئ يرقب المشهد، ودموع الناس تمتزج بمياه البحر، فلم يجد ما يفعله غير ما يُحسنه، فنظم قصيدة قيل إنها أول رثاء في الأدب العربي يُكتب لملك لا يزال حياً، يقول فيها:

تبكي السماء بمزنٍ رائحٍ غادي *** على البهاليل من أبناءِ عبّادِ

على الجبال التي هدت قواعدها *** وكانت الأرض منهم ذات أوتاد

والرابيات عليها اليانعات ذوت *** أنوارها فغدت في خَفضِ أوهاد

ولم يكتفِ بالبكاء شعراً من بُعد، بل زار المعتمد مرات عديدة في سجنه، وحين سُئل عن سبب تلك الزيارات، قال إنه كان يرضي نفسه لا يؤدي واجباً، وهذا هو الفرق بين من يزور لأن الأعراف تُلزمه، ومن يزور لأن قلبه لا يطيق الغياب، وكأن الزيارات وحدها لم تكفِه، فقد كرّس ما تبقى من عمره لخدمة ذكرى صاحبه، جمع شعر المعتمد في ديوان أسماه «سقيط الدرر ولقيط الزهر»، وألّف في تاريخ دولة بني عباد كتباً ضاعت مع ما ضاع من كنوز الأندلس، وبقي ابن اللبانة بعد ذلك يكتب ويمدح، إذ يقول في شعره:

مَا كَانَ أَرْفَعَ مَوْضِعِي إِذْ كَانَ لِي *** فِي جَانِبِ العَلْيَاءِ عِنْدَكَ مَوْضِعُ

أَيَّامَ أَطْلُبُ مَا أَشَاءُ فَيَنْقَضِي *** وَزَمَانَ أَدْعُو مَنْ أَشَاءُ فَيُسْمَعُ

وأمدُّ كفّي نحو كلّ عليةٍ *** وأناملي من طولها بك أذرعُ

وخير ما نختم به مقالنا، ما قاله هو نفسه في صاحبه الأسير، حين ردّ على أبيات أرسلها إليه المعتمد من محبسه، فكانت كلماته وصيّة شاعر يعرف أن الزمن يأخذ كل شيء إلا ما صدر عن قلب صادق:

عدمت مرادي فيك لا الماء نافعٌ *** ولا الظل ممدودٌ ولا الروض مخصبُ

سقى الله عهداً كنت صيّب عهده *** بمثل الذي قد كنت تسقي وتشربُ

زمانٌ بماء المكرمات مفضَّض *** لديك ومن نار الكؤوس مُذْهَبُ

 

وتسلمون.

 

 المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الاثنين الثالث من أغسطس 2026 (الرابط الإلكتروني).

وفاء ابن اللبانة -  PDF