أيوب حسين وذكريات الطفولة

نستكمل اليوم ما كنا قد بدأناه من سلسلة مقالات عن تراثنا الشعبي، و«بتصرف» نقف عند قصيدة قرأتها في كتاب «مع الأطفال من الماضي»، اختارها الفنان أيوب حسين ليستهل بها كتابه، قبل أن يأخذنا في رحلة تفصيلية بين الألعاب والأهازيج والعادات. فقد آثر ألا يبدأ كتابه بسرد مباشر، بل بقصيدة نظمها عام 1971 بعنوان «ذكريات الطفولة»، وكأنها اللحن التمهيدي الذي يضبط إيقاع القراءة قبل أن ندخل في تفاصيل الكتاب كلها، وأورد للقارئ الكريم بعضاً منها:
يا حلا أيام مضت چِنها الأحلام راحت أو خلت أهلها بالأهام
عِيشَة مَرَّت علينا مِن زمان شفنا فيها العز والربع الكرام
من فريجٍ لي فريجٍ لى براحَه نركض أو نلعب ونكعد بانتظام
في كوايل الكيظ نِطلع بالشموس نتيمع للسوالف والكلام
تالي نِتسبح ابميدنا الجريب نكعد انصلي وعلى امداده ننام
وللبحر كل يوم عادتنا نروح نربط الوزة وانشيل الابوام
من كواطي الكاز انسوي الابوام والصنايع عندنا كلها تمام
من صلاليب أو طيايير وفخوخ والدنابك إحنا نركمها ركام
وفي الليالي السود نطلع ما نخاف من خروف امسلسل أو ينّي بطلام
وأمام هذه الأبيات، نجد أن الفنان أيوب حسين أدرك أن طفولة الكويتيين القديمة لا تُستعاد بلغة رسمية باردة، بل باللسان الذي كان يلعب به الأطفال ويتنادون به في الأزقة، ويبدأ المقطع باستدعاء زمن مضى «چِنها الاحلام»، في تعبير يختصر فلسفة الحنين كلها، فالطفولة حين تُستعاد تبدو دائماً أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع المعاش، ثم ينتقل بنا من الفريج إلى البحر، ومن حر الظهيرة إلى برد الليل، في رسم زمني متكامل ليوم كامل من أيام الطفولة، ولم يكتف الفنان أيوب حسين بوصف الحركة والمكان، بل استحضر لنا في القصيدة أدوات اللعب نفسها، كعلب الكاز التي كانت تُصنع منها الألعاب، في تفصيل يكشف كيف كان الطفل الكويتي القديم يصنع متعته بيده من أبسط ما يجده حوله، ثم يمضي الفنان أيوب حسين في تعداد ما ملأ تلك الأيام، فيقول:
واللعب في ليلة الكمرة ونيس نسري نص الليل والعالم نيام
نلعب الصفروك والهول اللذيذ ولى عيزنا يكول واحدنا حرام
نكضي أوكات طويله في الحداق أو حبال اطيور أو كش الحمام
كوت أبوسته وحكم سبعه يدور ولعبة الباشا ونزل ويا الغلام
ولعبة المكصي أيتبعها بو سبيت والاإتيل أوز بابيط وطعام
والامكاسر يوز والاسحيب سحيب والإ أمها وأبوها والعمام
وأجمل ما في هذا المقطع أنه يترك الوصف العام ويدخل إلى التفاصيل. فهو يقف عند «الحداق»، ويذكر لنا أن الوقت كان يطول بين أشجارها، بين نصب حبال الطيور وملاحقة الحمام، وكأن المكان نفسه كان لعبة كبيرة لا تنتهي، ثم تتتابع أسماء الألعاب كأنها نداءات تتردد في الفريج: كوت أبو ستة، والمقصي، وبو سبيت، وسحيب سحيب. وما يمنح هذه الأبيات قيمتها الحقيقية أنها ليست مجرد تزيين أدبي أضافه لكتابه، بل هي مفتاح فهم لكل ما سيأتي بعدها من صفحات، فالقارئ الذي يبدأ بهذه القصيدة يدخل إلى الكتاب، وقد تهيأ وجدانياً لتلقي ما سيُروى له، فصار الشرح التفصيلي للألعاب الذي يأتي لاحقاً، والذي تحدثنا عنه في مقالنا السابق، امتداداً طبيعياً لما استشعره أولاً من حنين شعري صادق. وبهذا يكون الأستاذ أيوب حسين قد جمع بين موهبتين نادراً ما تجتمعان بهذا الاتساق: قلم الباحث الدقيق الذي يوثق كل تفصيلة بأمانة، وروح الشاعر الذي يعرف كيف يستحضر الزمن الماضي ويُلبسه موسيقى تلامس القلب قبل العقل.
وهكذا تبقى هذه الأبيات، شاهداً على أن أجمل أشكال التوثيق ليست دائماً تلك، التي تُسرد بالنثر الجاف، بل أحياناً تكون قصيدة بسيطة، كتبها رجل أحب زمنه وأهله وفريجه، فحفظ لنا بها ملامح طفولة كويتية كاملة لم يعد لها وجود إلا في الذاكرة والورق، ويا حلا ذيك الأيام.
وتسلمون.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الأحد الثامن من نوفمبر 2026 (الرابط الإلكتروني).
أيوب حسين وذكريات الطفولة - PDF




