المستشار والمستشير

 

 

 

هنالك من البشر من لهم القدرة على الإقناع. وعادةً ما يكون المتكلم والمتملق منهم هو أكثر الناس قبولاً وأكثرهم ضرراً للآخرين، خصوصاً إذا تمتع بــ «كاريزما راسبوتينية»، فتنهار أسر، وتفلّس مؤسسات. والأزمة المالية الأخيرة كشفت الغطاء عن كثيرٍ من هؤلاء، ولم تُجد. نفعاً التفنيشات والتحويل إلى النيابة، حيث إن القانون لا يحمي المغفلين. فكان لزاماً على ملاك المؤسسات اختيار القادر على حماية مؤسساتهم، وليس المادح مناقبهم، والشادي لهم بــ «حاضر طويل العمر». ولتقييم الرجل المناسب في المكان المناسب وجب تجاوز الارتياح النفسي للمرشح والتركيز على مؤهلاته، فقد نخسر مرشحاً فقط لعدم قدرته على مجاراة أسس المقابلة واستعماله مفردات نأخذها على علاتها. ففي اللهجة الكويتية كلمات لو اختصرت فسرها المتلقي بالإهانة، منها على سبيل المثال «خلني أَفَهْم.ك»، وفي بعض الأحيان تختصر إلى «انت ما انت فاهم» والمقصود بها «لم أستطع ان انقل اليك المعلومة»، قصة هذي الفهامية، وما ماثلها من مفردات، تخلق كثيراً من اللبس، خصوصاً إذا كان المُخاطَب به من الحساسية ما به. وفي العادة لا يُظهر المتلقي الامتعاض لدى سماع العبارات، لكونها لا تصل إلى مستوى الإهانة المباشرة، لكنها سيكولوجيّاً تخزن في النفس وتخلق وضعا مبطناً غير محسوس يزيد مع الزمن. 

وفي الدول المتقدمة يضيق الخناق على «الراسبوتينية»، من خلال الاعتماد على المنظومات الاستشارية، ويعد منصب المستشار في العالم المتحضر منصباً رفيعاً تنهض به المؤسسات، وهي كالمحفزات الكيميائية تخلق التفاعل، ولا تكون جزءاً منه. أما عندنا فمنصب المستشار في ما عدا المؤسسات الربحية هو راتبٌ ومنصبٌ من دون مكتبٍ ودوام. ولكوني ممن يؤمن بالنصح والاستشارة فأنا أرجع بكتبي ومقالاتي لآخذ النصح والتقييم من الصديق أبوطلال، وهو مصرفي وعضوٌ في مجلس إدارة أحد البنوك الوطنية. وقد يكون الوحيد في الكويت الذي لا يستمع أثناء القيادة الى المذياع، بل دائماً يصغي إلى الكتب السمعية. وهو أيضاً ناقد أدبي مستتر. وكم كنت أتمنى منه تدوين تجربته المصرفية. فقد أنعم الله تعالى عليه بذاكرةٍ منقطعة النظير، فهو لا يحفظ الأرقام بذاكرة تلفونه «النوكيا» العتيق، لكونها أصلاً مخزنة في ذاكرته، وهو يقيّم وينقد كتاباتي، وبقسوة، كما يقيّم الشعراء الذين يقول لي دائماً بهم:

الشعراء أربعة: 

شاعرٌ يجري ولا يجري معه

وشاعرٌ يخوض وسط المعمعه

وشاعرٌ لا تشتهي أن تسمعه

وشاعرٌ لا تستحي أن تصفعه

وآمل ألا يقيّم مقالي هذا بشاعرٍ لا تستحي أن تصفعه!

 

عدنان عبدالله العثمان

المصدر: جريدة القبس ٨ يناير ٢٠١٥  (الرابط الالكتروني ) 

المستشار والمستشير Pdf