عندما أرى الناشئة وراء الآيباد والآيفون أحاول أن أحرك فيهم ولو نزرا بسيطا من ذكريات الماضي الجميل لأجذب انتباههم إلى الهوايات التي قاربت على الاندثار، ومن تلك الهوايات جمع الطوابع. وحيث لم أستطع جذب انتباه أبنائي وأحفادي لتلك الهواية، قلت أشرك القارئ بها لعلني أجد صدى ولو من بعيد. فتلك الهواية لها قصة ودين عليّ أن أسدده.
بدأت تلك القصة، بل تلك الهواية، وأنا في الرابع الابتدائي في مدرسة الفارابي، ومازلت أحتفظ بمجموعتي إلى الآن. وأود ان أذكر هنا بالمستوى التعليمي والثقافي للمدرسين والطلبة في ذاك التاريخ، والذي يعكس أيضاً مستوى وزارة التربية، وأنا أتكلم عن عام ١٩٦٧، فنحن صغار السن، وكان هناك عدة أنشطة وجوباً على الطلبة الاشتراك بها. وتعلمت هواية الطوابع من أستاذ عيسى الذي ما زلت أتذكره، وكان من المدرسين الفلسطينيين. وأذكر في الثاني الابتدائي أني اشتركت في نادي الموسيقى رغبةً بتعلم الأكورديون أو العود، لكن المدرس شافني مو هذاك الزود، فعطاني المثلث! طبعاً ما عجبني وهربت من الحصص. في العام التالي نفس الشيء حدث، لكن هذه المرة مع الدف اللي يضيق الخلق. فتركت الموسيقى والتحقت بفرقة التمثيل، وقدمت أول عرض أمام أولياء الأمور، وكان دوري الأب الذي ينصح ابنه، لكن شطيت بالكلام وفعلاً زفيت الولد، طبعاً الحضور عجبهم الأداء الواقعي، لكن المدرس عصّب وطردني من الفرقة. التحقت بعدها بفريق المكتبة، وهناك سلكت، وكان جمع الطوابع أحد الأنشطة هناك، وحتى تبدأ فيها لا بد أن تحصل على بريد وتجمع منه الطوابع، فقلت ماكو إلا الخال الله يرحمه، فهو تاجر ولديه كثير من المراسلات، ذهبت وبالفعل وجدت عنده كنزا من المراسلات والطوابع، لكنه شافني صغير وقضبني الباب، ولكن بعد جدل كبير وبعد عدة أيام زارنا في البيت ابن خالتي المرحوم سامي ابراهيم الربيعة، ومعه خمسة ألبومات بها ما بها من الطوابع النادرة، وقال لي: سمعت باللي صار بينك وبين الخال، واللي بعمرك ويناجر الخال علشان الطوابع أكيد هو أفضل من سيحافظ على مجموعتي. كنتُ حينها بعمر التاسعة، وابن خالتي بعمر الثامنة عشرة ومصاب بسرطان الرئة. وأذكر زيارتي له قبيل وفاته في مستشفى الصباح، إذ طلب مني أن أفتح الدرج وأعطاني علبة معدنية، عليها رسمة غزالة، وممتلئة بالطوابع. توفي سامي بعدها وظلت أمانته لدي حافظت عليها وأثريتها وظلت علبته الجميلة معي لم أفرغها من طوابعها أبداً، أتأملها من وقتٍ لآخر، وأذكر هذا الإنسان الجميل الذي غادرنا مبكراً، وأقول له: سوف تجد تلك المجموعة مكاناً لها تخلد اسمك، فأنت صاحبها وما أنا إلا حافظها.