مدرسة العثمان.. مَعْلَمٌ من معالم مدينة الكويت القديمة

essay image

كُنا قد تكلمنا في المقال السابق عن أحد أهم رجالات التربية والتعليم في الكويت سابقاً، عن المرحوم الملا عثمان عبداللطيف العثمان، الذي شكَّلَ مع من عاصره من رجالات الكويت الأفاضل عصراً ذهبياً لتاريخ التعليم في الكويت، وفي مقالنا اليوم سأتطرق للحديث عن منارةٍ من منارات العلم والتربية، التي شاع ذكرها في الكويت قديماً، وتحديداً في عام 1931، هناك في سكة بن الدعيج، قرب مسجد فارس حالياً، حيث اجتمع المرحوم الوالد عبدالله العثمان مع إخوته الملا عثمان والملا محمد والأستاذ عبدالعزيز العثمان، على القيام بمشروعٍ عائلي حمل أسماءهم على مرِّ التاريخ في فضاء العلم والتربية، فأسسوا مدرسةً أهليةً مستقلةً بنظامٍ وطابعٍ جديدين، بعيداً كل البُعد عن نظام الكتاتيب المتبع في ذلك العصر، الأمر الذي كان شائعاً عند الكثيرين، على اعتقاد أنه لم تكن هناك مدارس أهلية ذات نظامٍ إداري ومالي ومنهاج تعليمي جامع، إلى أن خضت مرحلة البحث والتعمق في أرشيف الوالد – رحمة الله عليه – وما يتضمنه من وثائق وأوراق وكشوفاتٍ بأسماء الطلبة ودفاتر محاسبةٍ ودفاتر تحضير أزالت هذا الغموض، وأوضحت لي وجود مدارس أهلية أُخرى متعددة إلى جانب مدرسة العثمان، ومن خلال البحث كشفت لي السجلات أن تلك المدرسة إنما هي مدرسةٌ أهليةٌ حديثةٌ لها تجربتها الخاصة والرائدة في تاريخ التعليم في الكويت سابقاً، ولا بُدَّ من الإشارة إلى أن المرحوم عبدالله العثمان وأخاه الملا عثمان كانا يتمتعان بنبوغٍ وذكاء أثناء دراستهما في المدرسة المباركية الأولى، الأمر الذي دفعهما إلى الارتقاء في السلم التعليمي على الرغم من صغر سنهما، وبعد سنوات عدة اجتمع الإخوة الأربعة على تأسيس مدرسة العثمان، واستمر العمل فيها لعام 1946 بعدد طلبةٍ فاق الـ350 طالباً آنذاك، وبمنهاجٍ تعليميٍّ جامع وشامل، يُدرِّس اللغتين العربية والإنكليزية والحساب وأسس المحاسبة والقرآن والفقه، إضافة إلى حصص المطالعة التي تميّزت بالروايات والقصص الأجنبية، كقصة تاجر البندقية للكاتب المسرحي شكسبير وفق ما ورد في سجلات الأرشيف، كما أظهرت الجداول الحسابية في الأرشيف أن قيمة القسط المدرسي للطالب الواحد آنذاك كانت تقدر بروبية واحدة في الشهر، يتم دفعها إما شهرياً وإما سنوياً، وفي حال عُسر أهل الطالب، فإنه لا يُفصل من المدرسة، بل يُسجل قيده على الحساب إلى حين ميسرة، وفي كثيرٍ من الأحيان يتم التغاضي عن المبلغ، الأمر الذي يؤكد لنا أن الهدف الأول والأساسي لتلك المدرسة لم يكن مادياً صرفاً، كما هو الحال في المدارس الخاصة في وقتنا الحالي، إنما كان هدفاً وجدانياً وطنياً ينصب في مصلحة أبناء المجتمع أولاً وأخيراً، وبالإشارة إلى الأساتذة الأفاضل الذين شاركوا في مسؤولية التعليم آنذاك إلى جانب المرحوم الوالد وإخوته، وهم عددٌ من المربين الكرام، أمثال الملا صالح بن الشيخ مساعد العازمي، والملا ناصر المسفر، ويوسف الرشدان، وداود الحربان، والملا محمد الوهيب، وغيرهم الكثير، وبعد مرور 15 سنة أغلقت المدرسة أبوابها مع تطور التعليم في الكويت وظهور المدارس الحكومية المجانية، وبعد أن أدى كلٌّ من الإخوة رسالته بإخلاصٍ وتفانٍ، وبذلك شكّلت مدرسة العثمان بمؤسسيها نموذجاً يُحتذى من ناحية التكاتف في سبيل إرساء أُسس الثقافة والعلم والأدب، وتسجيل بصمةٍ لا يُستهان بها بالوسطية والبعد عن التعصب، وذلك بانضمام الطلبة على اختلافهم من ناحية المذهب والطبقة الاجتماعية والفكرية والإقبال على منهاجٍ يجمع بين كافة أطياف المجتمع وبالبعد عن التفرقة المذهبية وعن خصوصية كل فئة، وبذلك كانت رُكناً من أركان النهضة الفكرية والتعليمية في الكويت قديماً.

وختاماً، لا يسعني إلّا أن أقول رحمة الله على من كانوا مشعلاً وضياءً لدروب الأجيال المتعاقبة، وجزاهم الله عنا خير جزاء وأنار دربهم إلى الجنان، كما أناروا قلوبنا بالعلم والتُّقى، وآمل أن أرى نهضة تعليمية جديدة في هذا الوطن تنتشل هذا الجيل من أمية قادمة لا محالة!

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الخامس والعشرون من إبريل 2023 (الرابط الإلكتروني)

مدرسة العثمان.. مَعْلَمٌ من معالم مدينة الكويت القديمةPDF