الأدلجة

في هذه الأيام العصيبة، ومع تصاعد التهديدات الصاروخية الإيرانية المتصاعدة، تظهر لنا الخلايا النائمة والتي جرى تفكيكها بضرباتٍ استباقية نفّذها رجال «الداخلية»، ولكن السؤال الذي لا أعتقد أنه غائب عن الدولة، شلون تُغرس تلك الخلايا في أي بلد؟ وما الجهة الحاضنة لها؟ لأن القبض على أفراد خلية ما هو إلا رأس جبل الجليد كما يُقال، فهذه الخلايا جزء من مشروع فكري عقائدي ممنهج، يحتاج عقوداً من التجهيز وبذر الفكر المتطرف وخلق الترابط والمصالح، وتحويل الولاء والانتماء من الدولة إلى أطراف خارجية، وأنا مو قاعد أتكلم عن فئة معينة، فالكويت لديها تجارب مريرة منذ الستينيات، من تفجيرات حقبة المد القومي والعروبي، مروراً بموجة الإسلام السياسي التي ركبت على ما سُمّي بـ«الصحوة» مطلع السبعينيات، ثم تضخّمت بعد نجاح الثورة الخمينية، وصار عندنا جمعيات تحمل رخصاً خيرية أو ثقافية، وتزاول العمل السياسي وتعمل باستقطاب الشباب، وتُغذّي ميزانياتها من التبرعات والزكاة وغيرها من أدوات، مرتكزةً إلى التزام أهل الكويت بطوائفهم كافة بحب الخير ومساعدة الفقير ونجدة المحتاج، ومن عباءتهم خرج عنها مَن تطرف وحاد عن طريق الصواب، وان كانوا قلة، الا ان خطرهم عظيم، وللأسف وعند كل أزمة تمرّ بها البلاد نرى بعض رؤوس شياطينهم تظهر ولاءها لخارج الكويت، فخلال الغزو الغاشم رأينا من بعضهم من شقّ الصف الوطني، وشهدنا كيف استولى الفكر التكفيري الداعشي على عقول بعض الشباب الذي انجرف نحو الأعمال الإرهابية، واليوم تعود تلك الخلايا الخائنة ذات الفكر المتطرف لتذكرنا بالخيط المشترك بين هذه الموجات جميعها: الفكر المستورد والولاء المزدوج، والقاسم المشترك بين ثلاثتهم أو نقدر نقول أربعتهم، هو العمل الدؤوب والممنهج على التغلغل في المدارس والمساجد، مستفيداً من ضعف المناهج الدراسية بفترة من الزمان والتي غاب عنها وقد يكون بدون قصد، المحتوى التربوي المتعلق بالوحدة الوطنية وتاريخ الوطن، وقبله المناهج الدينية الوسطية وتحفيظ القرآن الكريم، وهذا الغياب هو الذي فتح الباب على مصراعيه لاستقطاب الناشئة، وعلشان أبيّن أكثر، أيام دراستي الابتدائية في مدرسة الفارابي، كان يغلب الفكر القومي ويتبنى مدرسونا من جنسية معينة غرس فكر القومية العربية والوحدة العربية، ويومياً في طابور الصباح نسمع الخطب الثورية، وما أذكر أننا سمعنا شيئاً عن وطننا الكويت، وللأسف كان ذلك عادياً آنذاك، وبالمتوسطة، في مدرسة الفيحاء، ما كان عندنا ذلك التمييز بالمذهب أو الفكر، ولكن الفكر الثوري كان حاضراً، وجمع الأموال لمنظمة التحرير الفلسطينية شبه يومي، وأذكر مرة جاءتنا المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد وألقت علينا في طابور الصباح خطبة ثورية حماسية، والتي لحقتها جمع التبرعات من الطلبة والى الان لم أفهم تلك الزيارة لطلبة مدرسة متوسطة يعني الاعمار من ١١ الى ١٥ سنة ومنو رتبها وليش، حتى المئة فلس بمخباتنا ما سلمت. واما في مدرسة صلاح الدين الثانوية والتي حل مكانها الان بعد هدمها مبنى الهيئة العامة لشؤون القصر ومبنى التأمينات الاجتماعية، وان كانت دراستي فيها لمدة عام الا ان الفكر الديني المستورد كان حاضرا لدى العديد من الطلبة الوافدين، ويتغير الحال من مدرسة الى اخرى ومنطقة واخرى، وطبعا الدراسة بامريكا ومحاولات أدلجة العقول قصة ثانية، ولكن المقال لا يتسع، والسؤال المهم يبقى: كيف لنا أن نوقف هذا الخطر المزمن ونضع حداً له؟ أعتقد أن الحل يبدأ من المدرسة والمناهج، لتغطي احتياجات الوطن من خلال تخريج جيل وطني مؤمن بأن الكويت تأتي أولاً، فإن غطت المناهج التربية الوطنية والتربية الإسلامية الوسطية، ووفّرت حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المدارس، وعلى كل المراحل، فسوف نرى بإذن الله جيلاً مؤمناً محافظاً وطنياً في آنٍ واحد. ولا ننسَ دور الاعلام الوطني الموجه والذي يجب أن يقوم على استراتيجية وطنية طويلة المدى، كما أن إعادة هندسة وتنظيم العمل الخيري، وتوجيهه ضمن أطر واضحة وشفافة موجهة بالدرجة الاولى داخل الكويت وبما يخدم المجتمع وتحت رقابة وحوكمة صارمة، يُعد ضرورة لحمايته من الاستغلال، وتحويله إلى قوة بناء حقيقية تخدم المجتمع والدولة معاً. الخلاصة أن المعركة مع الأدلجة ليست معركة عابرة، ولا تُحسم بضربة واحدة، بل هي مشروع مستمر لحماية الوعي. فالأمن يحمي الحاضر، لكن الوعي هو الذي يحمي المستقبل، والله يحفظ الكويت واهلها ويحفظ اخواننا واحبتنا في الخليج.
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السابع من ابريل 2026 (الرابط الإلكتروني).
الأدلجة - PDF




