السعادة المفقودة

essay image

كما قيل: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهذا المثل يغطّي جزءاً من الحقيقة، ولكنه يغفل الجزء الثاني: ماذا بعد أن تقطعه؟ ما يحدث خلوني أقول لكم، بحديث مع صديق له باعٌ طويل في الوظيفة، تدرج فيها حتى بلغ المراكز القيادية، ثم انتقل إلى العمل الحر، فازداد انشغاله وتضاعف، وصار يقول لي: الوظيفة، مع أنها مرهقة بعدد الساعات وضغط العمل وضيق المساحة والحشرة مع عدد هائل من الموظفين، نستنشق نفس الأكسجين المعاد تدويره بالمبنى، حيث مبناهم مغلق، يعني زجاجي بلا شبايبك تُفتح، إلا أنه بعد تركها مرّ بحالة غريبة، إذ ظل يصحو في السادسة صباحاً، ويقول: مع أني الآن صاحب العمل وأقدر أداوم بأي وقت، وأصلاً دوام الشركة يبدأ الساعة ٩، ويقول: أقدر أحوس ساعتين ما ادري شنو أسوي، فنصحه صديق وقال: ان الوظيفة كالإدمان، ومن يتركها يحتاج إلى فترة نقاهة قد تمتد لأشهر وأحياناً سنوات، وأشار عليه بعمل روتين جديد بتلك الساعتين، بأن يبدأ بالاشتراك بناد رياضي كشخة، ويحط له مدرب خاص وبعدها ريوق خفيف ومن ثم العمل، وفعلاً هذي نصيحة زينة ساعدت كثيراً في التخلص من أثر الإدمان الوظيفي، ورفعت مستوى الطاقة وحسنت الصحة والمزاج، غير أنه دخل بموضوع آخر، فيقول: ان العمل الحر المتعدّد الأهداف والمواقع حق واحد مثلي متعود على العمل، جعله يخلط ساعات العمل بساعات الراحة بالإجازات، وصرت ما أستمتع بالعطل والإجازات والسفر، كما كنت أستمتع بها أيام الوظيفة، بل فقد فقدت الشعور الجميل حين ينتهي الدوام، وأذهب إلى المنزل وأجابل الزوجة والأولاد وأتحلطم على الغداء، ويا حلوها غفوة بعد العصر، وروحة ديوانية الربع المحفوفة بكم صديق ما فيها مجاملات ولا فيها مصالح، الغترة جريمبة واللعب كوت ولا هند، كل هذه المتعة راحت، وتحولت إلى مكينة عمل طوال الأسبوع، والديوانية صارت مجرد دوارت لمجالس الواجب والمجاملة، وغاب عنه الغداء في البيت بشكله الروتيني، وفاتته لحظات طفولة أبنائه ومراهقتهم وشبابهم، المهم ويكمل وهكذا تمر عقود العمر، وبعدها ومع تطور التكنولوجيا والأدوات الذكية التي تساعد على الإدارة، قررت أن أقف قليلاً وأتامل إلى أين أنا ذاهب، فقررت تحديد ساعات العمل ورشقنة النظام وإعطاء الصلاحيات، واللي حصل أن الشغل تطور وما زلت أدير، ولكن من غير ضغوط، والمهم زاد عندي الوقت مرة أُخرى، وكأني توني تارك للوظيفة، ويقول: نفس صاحبي اللي نصحني بالرياضة قبل عقود، ينصحني بالعودة للقراءة ورياضة اليوغا والسفر الى اماكن ما سبق لك ان زرتها وافضل تكون ذا طابع به المغامرة وتحدي الذات، ويقول لي: ما أدري شنو اللي صار فقط قطعت الوقت بما يُفيد، ولكن رد طلع لي كالسيف من الفراق، الصراحة عجبني كلامه ورديت عليه: يا صاحبي اللي ناقصك الحمد والشكر والرضا، لأن اللي عندك نعمة ما هي عند غيرك، واستشعر السعادة عندما تقوم من الفراش بلا ألم بالظهر، وتستطيع الإفطار مع من تعز من دون حرقة معدة وقياس السكر والضغط، ولا تستعجل بالطلعة وشغل التلفزيون، فإذا ما في أخبار تمس وطنك فاحمد ربك، واسعد إنك بتطلع من البيت وما تحاتي، واحمد ربك أمن وأمان، ولما تروح دوامك وقبل لا تروح المكتب، جدامك قهوة اقعد فيها واشرب قهوة ولا تشغل مخك بشي، وإذا بطالع تلفونك ابعد عن الأخبار المزعجة فأنت لن تحل الأزمات ولن تنقذ غريق بس بتغث روحك، ولما تدخل مكتب احرص أن كل مالك حلال وشغلك على خط الشرع والقانون، وطور العمل ليكون منه خدمة مجتمع وعمل خير وخله تخصصك، فالمال يمكن توريثه، وكذلك الشركات والعقارات، أما الأثر الطيب فهو الشيء الوحيد الذي يبقى حيّاً بعدنا، فاترك الحلال والشغل لأولادك، وامسك العمل الخيري والمجتمعي فستجد فيه السعادة المفقودة، وراح تلاقي الوقت يمضي ومعه الأجر الكثير من الله سبحانه، وتذكر لما ترجع البيت وتلاقي أهلك ومن يعز عليك بصحة وعافية، فاذكر الله كثيراً واختم يومك بالحمدلله والشكر وهني بتلاقي ما فقدت.

وتسلمون.

 جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء التاسع عشر من مايو 2026 (الرابط الإلكتروني).

السعادة المفقودة - PDF