الدكتور رشيد الحمد

من وقتٍ إلى آخر أجد نفسي أمام شخصيات كويتية لها بصمات مشرّفة في تاريخ هذا الوطن، وقد تجمعني بهم الصدف وأتشرف بلقائهم، وأحياناً يجذبني أداؤهم وسيرتهم فأكتب، وبتصرف، من باب التنويه وتسليط الضوء على مسيرتهم. وبالأمس تشرّفتُ بزيارة الدكتور رشيد الحمد، وزير التربية ووزير التعليم العالي الأسبق، الذي أسعدنا بحضوره إلى مسجد العثمان في النقرة، للاطلاع على حلة المسجد بعد أعمال التأهيل والترميم التي شهدها، ولا يمكنني سوى القول إنها زيارة أضفت على المكان بهجةً خاصة. وقبل البدء بالحديث عن الدكتور الحمد، يستحضرني قول للإمام علي بن أبي طالب: «وما المرء إلا حيثُ يجعلُ نفسَه، فكن طالباً في الناس أعلى المراتب»، وكأن هذه الكلمات كُتبت خصيصاً لوصف مسيرة الدكتور الحمد، الذي لم ينتظر أن تأتيه المعالي، بل مضى إليها خطوةً خطوة، بكامل العزيمة والإرادة، فالدكتور الحمد شخصية فريدة قلّما تقابلها في الحياة، تجمع كثيراً من الصفات الإنسانية العالية، أولاها الحكمة والحِلم، وهو اسمٌ لا يحتاج إلى مقدمات طويلة عند من عاصر مسيرة التعليم في الكويت، فهو من الرجال الذين بنوا حضورهم لبنةً لبنة، بدءاً من الفصل الدراسي حتى بلغوا أعلى المناصب وأرفعها. فقد تخرّج عام 1968 في جامعة الإسكندرية بدرجة البكالوريوس في الكيمياء والجيولوجيا، وكان اختيار هذا التخصص نابعاً من وعي مبكر بطبيعة اقتصاد الكويت ومكامن ثرواتها، لا من محض الصدفة. ومن طرائف تلك المرحلة أن زميله على مقاعد الجامعة ذاتها لم يكن سوى الدكتور أحمد زويل، الذي نال جائزة نوبل وأصبح علماً من أعلام الكيمياء في العالم، وهو ما يذكره الدكتور رشيد بفخر في العديد من مقابلاته الصحافية. بدأ مشواره المهني في الميدان التربوي مدرّساً للجيولوجيا في المرحلة الثانوية، ثم موجهاً فنياً للعلوم، وهي مرحلة بالغة الأهمية في تكوين أي مسؤول تربوي، لأنها تجعله يرى المدرسة من الداخل لا من نافذة المكتب. وقد حرص خلال تلك السنوات على استكمال تأهيله العلمي، فأبحر نحو بريطانيا ونال الماجستير ثم الدكتوراه في التربية عام 1989 من جامعة ساوثهامبتون. وتدرّجت به المناصب صعوداً، فشغل منصب وكيلاً مساعداً لوزارة التربية للتخطيط والتنمية، ثم مديراً للمركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج، كما رأس مجلس إدارة جمعية حماية البيئة لسنوات، في إشارة إلى أن اهتمامه بالوطن لم يكن محصوراً في جدران المدرسة. وتوّجت مسيرته التربوية بتولّيه حقيبة وزارة التربية والتعليم العالي، ولم يكن الدكتور رشيد الحمد مسؤولاً إدارياً فحسب، بل كان مؤلفاً ومربياً ترك بصمات واضحة في المكتبة التربوية العربية، ومنها كتابه الشهير «البيئة ومشكلاتها» الصادر عام 1979 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ضمن سلسلة عالم المعرفة، والذي يُعد من أوائل الكتب العربية التي تناولت قضايا البيئة بشكل علمي ومنهجي. كما ألّف مراجع مدرسية في العلوم والجيولوجيا للمرحلتين الثانوية والابتدائية، إيماناً منه بأن الكتاب الذي يضعه المعلم بين يدي الطالب قد يكون أعمق أثراً من أي منصب. ثم جاءت المرحلة الدبلوماسية حين عُيّن سفيراً للكويت في مصر، البلد الذي غادره خريجاً شاباً قبل أربعين عاماً، فعاد إليه يحمل جوازاً دبلوماسياً وشيئاً من محبة قديمة لا تُنسى. وفي تلك المرحلة تحديداً كان أول لقاءاتي به، حين جمعنا حفل وضع حجر الأساس للمجمع الطبي الخيري في مدينة القرنة بمحافظة الأقصر، الذي أُقيم باسم المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان. وكان الدكتور رشيد يومها يمثّل الكويت بكل ما تعنيه الكلمة، دبلوماسياً يجمع بين وقار المنصب وحسن المعشر. ولم أكن أتصور حينها أن تجمعنا الأيام مجدداً في النقرة بعد كل هذه السنوات، لكن الدنيا تبقى صغيرة حين تجمع أصحاب الأثر الطيب. وقد خرج الدكتور رشيد الحمد من مسجد العثمان كما دخل إليه، بهدوئه المعروف وابتسامته الوادعة، لكنه ترك في نفوسنا شعوراً جميلاً بأن بعض الرجال لا تُقاس مناصبهم بما شغلوه من كراسيّ، بل بما يتركونه من أثر.
وفي الختام، نشكر الدكتور رشيد الحمد على تفضّله بهذه الزيارة الكريمة التي أسعدتنا بحضوره، ونسأل الله أن يحفظه ويطيل في عمره ويديم عليه الصحة والعافية، وأن يبارك في مسيرته ويجزيه عن الكويت والتربية والعلم خير الجزاء.
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثاني عشر من مايو 2026 (الرابط الإلكتروني).
الدكتور رشيد الحمد - PDF




