من الأرشيف.. حين يكتمل العمران

في مقدمته الشهيرة أدرك ابن خلدون أن الحضارة لا تقوم إلا بالعمران، وأن العمران لا يكتمل إلا حين يجتمع فيه ما يغذّي الروح وما يُنمّي العقل، وحين نقف اليوم أمام وثائق الأرشيف، ونقلّب صفحاته الصفراء، نجد أن بعض رجال الكويت قد فهموا هذه المعادلة بفطرة سبقت النظريات، وجسّدوها على أرض الواقع قبل أن يُسمّيها أحد.
وهذا ما يقودنا إلى أرشيف المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان من جديد، وإلى قصة بدأت قبل أن يصدر المرسوم الأميري عام 1957 بهدم سور الكويت، ففي حين كان الناس ينظرون إلى المناطق الخارجية، كخيطان والفروانية، بوصفها صحراء لا قيمة لها، كان المرحوم يرى فيها ما لا يراه غيره، فأقدم على شرائها وتطويرها وتقسيمها، حين كانت المخاطرة كبيرة والمشترون قلة، وما يميّز تجربته العقارية أنها لم تقم على الاحتكار، بل على التيسير، إذ كان يبيع بالأجل لمن لا يملك، ويُعيد الأرض لصاحبها دون نزاع حين يقتضي الحق ذلك، حتى صار اسمه في سوق العقار علامة على الأمانة، قبل أن يكون علامة على النجاح، وفتح الباب على مصراعيه لمن لا يملك المال، بأن يملك عقاراً دون تحميل المشتري أعباء الديون، وأضحى الاستثمار بالعقال بمتناول الفقير قبل الغني، وسجلاته عامرة بتلك المعاملات الخيرة، وسوف ناتي عليها مستقبلاً، غير أن المرحوم لم يكن يطوّر الأرض ليبيعها فحسب، بل كان يرسم بها حيّاً كاملاً، يحتاج من يُعلّم أبناءه ومن يُؤمّ الناس في مسجده، وهذا تحديداً ما كشفت عنه وثيقة مؤرخة في الثالث عشر من ديسمبر 1955، وهو اليوم ذاته الذي تبرّع فيه بأراضٍ لبناء المساجد في النقرة وخيطان، كما تطرّقنا إليه في مقالنا السابق، إذ أرسل في اليوم نفسه رسالة إلى مجلس المعارف (وزارة التربية حالياً) يتبرّع فيها بقطعتي أرض، مساحة كل منهما تسعون ألف قدم مربعة، من تلك الأراضي التي أعاد لها الحياة بيده وطوّرها حتى صارت ذات قيمة، ثم آثر أن يهب منها للعلم، وقد جاء ردّ رئيس مجلس المعارف بعد سبعة أيام فقط، ليحمل من رقيّ تلك المرحلة وجمال مخاطباتها ما يستحق أن يُقرأ: «بالإشارة إلى كتابكم المؤرخ في 13/12/1955، المتضمن تبرعكم المشكور بقطعتي أرض للمعارف، مساحة كل منهما تسعون ألف قدم، يسرّني إفادتكم بأن هذا الخطاب قد عُرض على مجلس المعارف في جلسته المنعقدة مساء يوم الإثنين 19 ديسمبر سنة 1955، وإني إذ أُحيطكم علماً بأن مجلس المعارف قد قبل هذا التبرّع مع الشكر الجزيل، يسرّني أن أُحيّي فيكم باسم مجلس المعارف هذه الروح الكريمة والشعور الوطني النبيل».
ولم يكتفِ المرحوم بذلك، إذ حرص في الوقت ذاته على أن يكون للروح نصيبها من هذا العمران، فأوصى في وصيته ببناء مسجد خيطان من ماله الخاص، وهو المسجد القائم اليوم في المنطقة، والذي تحدّثنا عنه بالتفصيل في مقالنا السابق، وبهذا أتمّ المرحوم المعادلة، التي تحدّث عنها ابن خلدون، فجمع في خيطان بين المدرسة التي تُنمّي العقل، والمسجد الذي يغذّي الروح، وكأنه كان يبني حيّاً لا أرضاً.
وعلى تلك الأرض، التي أعاد لها المرحوم الحياة قبل أن يهبها للعلم، قامت اليوم ثانوية أبرق خيطان للبنات، ومتوسطة أبرق خيطان للبنات، وبين جدران هاتين المدرستين تعلّمت أجيال لم تعرف يوماً من أين جاءت الأرض التي تمشي عليها، ولم تسمع اسم من أهداها للعلم والمعرفة، ومنا لوزارة التربية وفاءً لرجل الإحسان تسمية هذه المدارس باسمه تقديراً لرجل وهب حياته حباً وعطاءً لهذه الأرض الطيبة.
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الخامس من مايو 2026 (الرابط الإلكتروني).
من الأرشيف.. حين يكتمل العمران - PDF




