نحن باقون هنا

صباح يوم الأربعاء، الساعة الثالثة فجراً، أعتقد أن العالم كله حابس أنفاسه، يترقب ما ستؤول إليه الأمور بين الولايات المتحدة وإيران، أخبار متضاربة، هدنة يُقال إنها لأسبوعين، وكلُّ طرف يخرج ويقول: «أنا انتصرت»، وبين هذا وذاك روايات متعددة، كل واحدة تختلف عن الثانية، خصوصاً في تفاصيل الاتفاق: هل سيفتح مضيق هرمز كما كان قبل الحرب؟ أم ستكون هناك تفاهمات خفية وترتيبات غير معلنة؟ وهل القواعد الأمريكية في الخليج ستكون جزءاً من الصفقة؟ وماذا عن أذرع إيران في المنطقة؟ أسئلة كثيرة، وإجابات قليلة، إن وُجدت أصلاً، والسؤال الأهم: هل هذه هدنة حقيقية أم مجرد «استراحة محارب»؟ بصراحة، لا أحد يدري، نحن أمام حرب إعلامية ونفسية من الطراز الأول، ضجيجٌ عالٍ، وتحليلات أكثر من اللازم، وكلٌّ يغني على ليلاه، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن استهداف المنشآت النفطية في الكويت ودول الخليج بالصواريخ والمسيّرات لم يتوقف، بل ازداد كثافةً، حتى بعد إعلان الهدنة، وقبلها شفنا اقتحام القنصلية الكويتية في البصرة من قبل ميليشيات منفلتة، مشهد صراحة يدوّخ، وتصرفات لا تصدر إلا من حاقد، أو عمّن لا يريد للمنطقة أن تهدأ أصلاً، وفي خضم هذه الفوضى، نصيحتي بسيطة: لا تصدّق كل ما يُقال على الشاشات، كثيرٌ ممن يُسمّون أنفسهم محلّلين سياسيين يبيعون كلاماً للاستهلاك، وشخصياً لا أتابعهم، وآخذ أخباري من المصادر الرسمية والقنوات العالمية المتزنة، وهذا ما أوصي به الجميع، لأن المعلومة في زمن الأزمات سلاح، إن كانت مغلوطة تحولّت إلى عبء عليك بدلاً من أن تكون سنداً لك، ورغم كل هذا، لست متشائماً، بالعكس، أنا متفائل، لكن بحذر، وعندي قناعة راسخة بأن المنتصر الحقيقي من هذه الأزمة هو الخليج، نعم، الحرب لا تجلب إلا الدمار، لكن في طيّاتها دروساً لا تُقدّر بثمن، وأول هذه الدروس، أن الخليج رأى بوضوح من هم جيرانه، وكيف تُدار النوايا في الخفاء، فالجغرافيا وحدها لا تصنع أماناً، وحسن النية لا يُفترض بل يُختبر، وقد كشفت هذه الأزمة أن ثمة من لا يزال يرى استقرار الخليج ورقة ضغط، لا قيمة يجب احترامها. وثانيها، أن الأزمات تكشف المعادن، من هو الحليف الحقيقي، ومن هو الصديق، ومن هو «نص صديق»، ومن لا صلة له بالصداقة أصلاً، ففي الرخاء الكل يبتسم، لكن في الشدّة تسقط الأقنعة، وتظهر الحقيقة بلا تجميل. وثالثها، أن الخليج أعطى درساً يُدرّس في الصمود والانضباط، فالمنظومة العسكرية والأمنية الخليجية أثبتت أنها ليست شكلية، بل حقيقية، فيها جاهزية وتكامل وتنسيق عالٍ، فالأرقام تتكلم، والواقع يشهد، والعالم يرى، هذه دول تعرف كيف تحمي نفسها، وكيف تدير أزماتها، أما الدرس الرابع، وهو الأهم برأيي، فهو أن هذه الأزمة دفعت الخليج إلى تسريع خطوات التكامل الاقتصادي واللوجستي، فحين تصبح الممرات مهددة، تبدأ العقول تبحث عن بدائل، كمسارات تصدير جديدة، ومشاريع مشتركة، وأمن غذائي، وأمن مائي، وربط اقتصادي أعمق. وباختصار، الأزمة سرّعت ما كان ينبغي أن يحدث أصلاً، فمن أراد أن يُضعفك، جعلك تُقوّي نفسك، وخدمك دون أن يقصد، وفوق كل هذا، يبقى العنصر الأهم: الإنسان الخليجي، هذا الإنسان الذي قد يختلف في التفاصيل، لكنه وقت الشدة يقف صفاً واحداً، فيه من الفزعة والمروءة والانتماء ما لا يمكن صناعته أو استيراده، وهذه الروح هي الضمان الحقيقي لأي مستقبل. نعم، نحن في لحظة حساسة، ولا يتمنى عاقلٌ استمرار التوتر، لكن أيضاً، لا يجوز أن ننظر للمشهد بعيون الخوف فقط، يجب أن نراه بعيون واعية، تعرف أن الأمم القوية تُصنع في الأزمات، وأن المنظومات المتماسكة تخرج من الامتحان أقوى مما دخلت.
لذلك أقولها بكل قناعة: نحن باقون هنا، لا تخدعنا الضوضاء، ولا تربكنا الحرب النفسية، ولا ننجرف خلف كل صوت مرتفع، باقون لأن هذه أرضنا، وهذا تاريخنا، وهذا مصيرنا، باقون لأن الخليج لم يُبنَ بالخوف، بل بالصبر، والعمل، وحكمة من عرف أن البقاء ليس للأعلى صوتاً، بل للأكثر تماسكاً وذكاءً!
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الأربعاء الخامس عشر من أبريل 2026 (الرابط الإلكتروني).
نحن باقون هنا - PDF




