اليوغا

essay image

 لفت نظري قرار وزارة الصحة بحظر وتقنين عدد من الممارسات التي تُقدم تحت مسميات مختلفة، منها العلاج بالطاقة والأحجار والألوان والذبذبات الصوتية والإرشاد الذهني غير المستند إلى دليل، وكذلك ما أُطلق عليه «اليوغا النفسية».

والقرار في رأيي مهم، لكن الأهم أن نفهم ماذا نحظر ولماذا، حتى لا نخلط بين الرياضة والاسترخاء من جهة، والخرافة التي ترتدي ثوب العلاج من جهة أخرى.

 وكنت أسولف مع أحد الأصدقاء عن الموضوع، فوجدته، مثل كثيرين، يخلط بين اليوغا كرياضة وبين ما ارتبط ببعض مدارسها من معتقدات وطقوس روحية. قلت له: شنو الفرق بين البيرة التي تحتوي على الكحول والبيرة الخالية من الكحول؟

 قال: هذه حرام وهذه حلال.

 قلت له: عدل، وصلت!

 المشكلة ليست في العلبة ولا في الاسم، وإنما فيما وُضع داخلها.

 وكذلك اليوغا؛ تمارين استطالة ومرونة وتوازن وتنفس واسترخاء شيء، وإدخال «طاقة الكون» والمعتقدات الهندوسية وادعاءات العلاج الروحي عليها شيء آخر تماماً.

 وقلت له انا شخصياً أمارس اليوغا الرياضية منذ سنوات، وان حبيت ومن باب الفكاهة خلنا نسميها «يوغا بلا كحول»، والصراحة أجدها مفيدة، خصوصاً مع تقدم العمر، فهي تجمع بين المرونة والتوازن والتنفس. وهناك أبحاث علمية تشير إلى أن بعض برامجها قد تساعد في تخفيف آلام أسفل الظهر وتحسين الحركة لدى بعض الأشخاص.

 والفرق واضح بين أن تقول لي: هذه التمارين قد تحسن مرونتك وتوازنك، وقد تخفف بعض آلام ظهرك، فهذا كلام نستطيع إخضاعه للدراسة والقياس، وبين أن تقول لي: إن الألم سببه خلل في طاقتي، وإنك تستطيع إعادة توازنها بيديك أو بحجر أو ذبذبة، فأنت الآن تقدم ادعاءً مختلفاً لا يستند الى دليل.

 وننتقل إلى موضوع الأحجار والكريستالات: حجر للحب، وآخر للراحة، وثالث لطرد الطاقة السلبية، وآخر لجذب الرزق!.. والحجر في النهاية حجر، قد يكون جميلاً ونادراً وثميناً، ونضعه في خاتم أو على مكتب ونستمتع بجماله، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحجر إلى عبادة ومعتقد. ولو كان هناك حجر مضمون لجذب المال، فنصيحتي لصاحبه ألا يبيعه للناس؛ يحتفظ به لنفسه ويصبح أغنى رجل في العالم!

 ومن الخزعبلات المنتشرة أيضاً ما يسمى «قانون الجذب»، ولا أقصد هنا التفكير الإيجابي. فالإنسان المتفائل الذي يحدد أهدافه ويسعى إليها قد تكون فرصته في النجاح أفضل من إنسان استسلم منذ البداية، وهذا منطقي. لكن تحويل الفكرة إلى أن مجرد التفكير في المال يجذب المال شيء آخر. ولو كان التفكير وحده يكفي، لأغلقنا الجامعات والبنوك والمستشفيات، وجلس كل واحد منا في البيت «يجذب» الدكتوراه والمليون والصحة!

 وقد يقول أحدهم: لكنني جربت جلسة طاقة وشعرت بعدها براحة حقيقية.

 ممكن، وأنا لا أشكك في شعوره. فالطب يعرف ما يسمى بتأثير الدواء الوهمي أو (Placebo)، إذ يمكن لتوقع الإنسان أن العلاج سيفيده أن يؤثر في شعوره بالألم والتوتر. كما أن الجلوس في مكان هادئ، والتنفس ببطء، ووجود شخص يهتم بك ويستمع إليك، كلها أمور قد تمنحك راحة، لكنها لا تثبت أن طاقة سلبية خرجت من جسمك، أو أن حجراً امتصها.

 وهنا تكمن أهمية قرار وزارة الصحة، فهو يسعى إلى وضع خط واضح بين النشاط الرياضي والممارسات الصحية من جهة، والخزعبلات التي تقدم نفسها باعتبارها علاجاً من جهة أخرى. فالعلاج يجب أن يخضع للدليل والترخيص والرقابة.

 والخطر الحقيقي ليس في ثمن الجلسة أو الحجر، وإنما أن يقتنع مريض يحتاج إلى طبيب أو اختصاصي نفسي بأنه يتلقى علاجاً حقيقياً، فيؤخر العلاج الصحيح أو يتركه.

 وللأسف، أضحى السوق مشبعاً بتلك الخزعبلات والأفكار والممارسات غير المنضبطة.

 وبالمناسبة، نصيحتي لكل من قارب الأربعين: لا تنتظر حتى يطالبك جسدك بالحركة. ضع في جدول حياتك من الآن اليوغا أو تمارين القوة أو السباحة أو المشي، أو أي رياضة تستطيع الاستمرار عليها. ففي هذه المرحلة من العمر تحدث مفارقة غريبة؛ يكون الإنسان في قمة عطائه، وعقله ما زال يدفعه إلى المزيد من العمل والطموح والحركة، بينما يبدأ الجسد، إن أهملته، بالسير في الاتجاه المعاكس، وكأنه يقول لك: على مهلك يا صاحبي.. أنا الذي سأحمل كل هذه الطموحات!

 فنحن لا نتمرن لنفوز بمسابقة، بل لنستطيع في السبعين أن نصعد الدرج، وننحني لنربط حذاءنا، ونحمل حاجاتنا، ونقوم من الأرض من غير أن نطلب لجنة إنقاذ! فالعضلات والقوة والتوازن والمرونة أشياء إن حافظت عليها خدمتك، وإن أهملتها أرسلت لك الفاتورة لاحقاً.

 وفي الحياة أمور تصيب الإنسان لا يد له فيها، وهي قضاء وقدر، ولكن هناك أموراً كثيرة نملك أن نأخذ بأسبابها. والعمر لا نستطيع إيقافه، أما كيف نستقبله ففيه مساحة كبيرة بأيدينا.

 وتسلمون. 

   المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الأحد الثلاثون من أغسطس 2026 (الرابط الإلكتروني).

اليوغا -  PDF