حولي.. قرية الأنس والتسلي
إهداء كتاب صغير الحجم عظيم الأثر يظل من تلك اللفتات، التي تُشعرك بأن الصداقة أحياناً أجمل هدية تُقدَّم عبرها المعرفة، فقد أهداني الصديق الباحث هاني العسعوسي، نسخة قديمة من كتاب «حولي.. قرية الأنس والتسلي»، للمؤلف أيوب حسين الأيوب رحمه الله، وله جزيل الشكر والتقدير على هذه اللفتة، التي أعادتني، ولو لساعات، إلى زمن لم أعشه، لكنني شعرت وأنا أقرأ صفحاته بأنني كنت هناك، أمشي في أزقته الترابية، وأشمّ رائحة طعامه المنبعثة قبيل الظهيرة.
ولمن لا يعرف الباحث هاني العسعوسي، فهو ليس مجرد قارئ للتراث، بل هو صانع له، رجل نذر نفسه لخدمة موروث وطنه عبر مسار طويل من الأبحاث والمعارض، التي أقامها داخل الكويت وخارجها، حتى أنشأ متحفاً شخصياً يضم قطعاً تراثية نادرة وفريدة، صار وجهة وملاذاً للباحثين في التراث الكويتي. وكتاب «حولي.. قرية الأنس والتسلي» في جوهره ليس مجرد سرد تاريخي جاف لقرية اندثرت معالمها تحت الإسمنت والزحف العمراني، بل هو محاولة إنقاذ للذاكرة من النسيان، كتبها رجل عاش تلك الحقبة بنفسه، وعاد بذاكرته أكثر من أربعين عاماً إلى الوراء، معترفاً في مقدمته بتواضع نادر بأنه لم يستوفِ الموضوع حقه، وأن ما دوّنه ما هو إلا جهد فردي بذله عن حب لا عن ادعاء معرفة، وهذا التواضع بالذات هو ما يمنح الكتاب مصداقيته، فالمؤلف لا يكتب من موقع المؤرخ المحترف، بل من موقع الابن، الذي يخشى أن تذوب قريته في ذاكرة الأجيال القادمة، كما ذابت أسوارها الطينية تحت المطر والزمن، وما يلفت في هذا العمل أنه لا يكتفي بوصف حولي كمكان جغرافي، بل يعيد بناءها كإحساس، إذ يتحدث عن مائها العذب، الذي اكتُشف عام 1906، فمنح القرية اسمها وشهرتها، حتى قيل فيه الشعر وتبارى فيه الشعراء مدحاً وتهكماً، ثم عن مرارته حين تغيّر طعمه بعد سنوات، فصار لا يصلح إلا للزراعة وسقي المواشي، كما يتحدث عن السدر وأثله، الذي كان يُستخرج منه دواء الشعر وغسل الموتى، وعن المساجد الطينية البسيطة، التي لم تكن تُغلق أبوابها، لأنها لم تملك أبواباً أصلاً، وعن مدرسة صغيرة، أُسست في بيت متواضع، كان يجلس فيها الصبية على الحصير يتعلمون الحروف وسط رائحة الفحم والطبخ، ولعل أجمل ما في الكتاب هو تلك القدرة على استحضار التفاصيل الصغيرة، التي تصنع الحنين الحقيقي، لا الحنين المصطنع، كصوت الديكة معلنة الفجر، ونباح الكلاب في الهزيع الأخير من الليل، ورائحة الطين بعد المطر، وتلك اللحظة الساحرة حين تهب العواصف فتمحو آثار الأقدام عن الأرض، ثم تعود شيئاً فشيئاً كأن الحياة تُكتب من جديد كل يوم، فهذه ليست مجرد ذكريات، بل فلسفة حياة كانت تقوم على القناعة والبساطة، ويمرّ الكتاب أيضاً على قصر بيان وقصر الشعب وسد النقرة، وجادة حولي التي كانت متنفس الأهالي مساءً، مستنداً في كثير من ذلك إلى شهادات شفوية جمعها المؤلف من كبار السن ومن مؤرخين كويتيين معتبرين، فجاء العمل مزيجاً بين الذاكرة الشخصية والتوثيق الجماعي، وهو ما يمنحه قيمة مضاعفة كمصدر أولي لمن يريد أن يفهم كيف كانت الكويت قبل أن تتحول قراها إلى أحياء وضواحٍ ضمن مدينة كبرى.
وختاماً أقول إن قراءة هذا الكتاب ليست رفاهية ثقافية عابرة، بل هي فعل مقاومة صغير ضد النسيان، وتذكير بأن ما نراه اليوم من عمران وازدحام كان بالأمس القريب أرضاً بكراً، وأن خلف كل شارع وكل مبنى قصة قرية كانت تنبض بالحياة بطريقتها الخاصة.
وتسلمون.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الجمعة الثاني من أكتوبر 2026 (الرابط الإلكتروني).
حولي.. قرية الأنس والتسلي - PDF




