أعود مرةً أخرى إلى بازل، تلك المدينة السويسرية الجميلة التي أضحت زيارتها روتيناً سنوياً. فبازل شهدتُ فيها تجاربَ إنسانية عديدة، هي صداقات تستمر لأعوام من دون تواصل يذكر، والصدف دائماً ما تكون صلة اللقاء. فصاحبي سوني بائع الأحجار الكريمة التقيت به في الهند منذ أكثر من عشرين عاماً، حين كان تاجر شنطة، والصدفة لعبت الدور الكبير في لقائنا. فمن بين ملايين البشر في بومبي التقيت سوني على هامش معرض مجوهرات. كان يقف على باب المعرض يتصيد الزبائن لعرض بضائعه، ورجاني النظر في بضاعته. ما أدري شلون كسر خاطري فطلبت منه اللحاق بي في الأوتيل وهناك تفحصت بضاعته. عرضت سعري على كامل بضاعته، وبعد جدل طويل باع وأنا اشتريت، ومرت الأعوام، وإذ بي في معرض بازل أسمع من يناديني باسمي وطلع صاحبي سوني. وبأعلى صوته وأمام زبائنه أخذ يقول ان ما يعيشه من خير فبفضل هذا الرجل. ومن يومها والصدف تجمعنا في معارض المجوهرات، ويكرر تلك المقولة لموظفيه وزبائنه. لكن في زيارتي الأخيرة لمعرض بازل التقيت بسوني وقد اتسعت تجارته وزاد وزنه فقال ضاحكاً: كلما زاد المال زاد الوزن. فصاحبنا اليوم ولا حسد يملك ما يزيد على عشرين مليون دولار، لكن لم تتغير نفسيته ولم ينسه المال جذوره وأخلاقه. أما الساعاتي اميلي الفرنسي عاشق الفن والخيول، فهو يصنع بعشق ساعاته، وفي كل مناسبة ألتقيه يعزمني ويمسك الميكرفون، هو يغني واحنا نسمع. ودائما كان يعبر عن رغبته لدى موته في أن يدفن في قبر تدوسه حوافر الخيل.
هذه المرة لم أجده في المعرض وعرفت بوفاته، وتمنيت أن يكون قد دفن حيث أراد! أما صديقي رفاييل المصرفي السويسري، والذي عمل في الخليج، فلم يأخذ فقط من طبائعنا، بل كذلك أسمائنا العربية، فمن أبنائه سمير وفارس وأمينة. وقد انقطعت أخباره لأكثر من ١٧ عاماً باعدت بيننا الحياة، لكنه حفظ صداقتنا وبالصدفة تلقيت رسالة منه يبلغني تحياته ويأمل برؤيتي فتقابلت معه ومع أسرته. وطلع صاحبنا متزوجا من امرأة جزائرية الأصل، وهي الثالثة في حياته، وله منها طفلان، وتقوم هي برعاية كامل الأسرة. أما أمينة الجميلة ذات السبعة عشر ربيعاً فقد ارتدت على عنقها القلادة التي أهديتها اياها لدى ولادتها. فيا لها من أسرة جميلة حفظت الود والصداقة. ولي في بازل قصص أخرى لا يسعها مقال، لكن تسعها ذاكرتي واحتفظ بها لنفسي، فإلى عامٍ آخر وصدفة لقاء.