أعجبتني الرياض

على الرغم من زياراتي المتكررة للمملكة العربية السعودية، كان خط سير رحلاتي يقتصر دائماً على المنطقة الشرقية، لزيارة أبناء العمومة، أو التوجّه إلى جدة، ومنها إلى مكة المكرمة، بس ولا مرة صارت لي الفرصة لزيارة العاصمة الرياض، وبينما كنت أتابع التطور والتغير الجذري، الذي تشهده تلك العاصمة، من خلال ما تنقله الصحف والتلفزيون والسوشيل ميديا، كانت الرغبة في زيارتها تتعاظم يوماً بعد يوم، وجاءت هذه الزيارة في سياق ثقافي بالدرجة الأولى، فنحن الآن، ومن خلال وقف الوالد رحمه الله، نتحرك باتجاه دعم اللغة العربية والثقافة العربية، وهو ما يأخذ حيزاً كبيراً من رؤيتنا لتطوير متحف بيت العثمان، ليكون ليس فقط متحفاً تراثياً، بل مؤسسة متكاملة تُعنى بالثقافة والفنون، وتحوي مكتبة متقدمة وأكاديمية لتعليم ركائز اللغة العربية والترجمة، إضافة إلى متحف للمخطوطات العربية والإسلامية، كل ذلك العمل يتطلب شراكات حقيقية ودعماً علمياً وتقنياً ممن سبقونا في هذا المجال، واليوم، ها أنا في الرياض مستكملاً مسيرة إعداد الرؤية المستقبلية لمتحف بيت العثمان، من خلال زيارة المراكز العلمية والثقافية المتميزة في الرياض، وأهلنا بالرياض ما قصروا، أحسنوا استقبالنا، وغمرونا بكرمهم العربي الأصيل، فشملت زيارتنا مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وجائزة الملك فيصل، ومبادرة الرياض الخضراء، ومكتبة الملك فهد الوطنية، والمتحف الوطني، ودارة الملك عبدالعزيز، وبيت الثقافة، وانتهت بزيارة منطقة الدرعية التاريخية، ونظراً لأهمية كل محطة من هذه المحطات، فإنني سأفرد مقالاً مستقلاً عن كل تجربة منها، لأوفيها حقها من التفصيل والتحليل، أما الرياض كمدينة، فتجربة زيارتها كانت أشبه بمشاهدة فيلم تتسارع أحداثه بإيقاع مدروس، فلا شيء عشوائياً فيها، ولا شيء يحدث بالصدفة، فتراها تنبض بحركة مستمرة، وواثقة تعرف وجهتها بدقة، وما لفت انتباهي ليس حجم المشاريع الضخمة فحسب، بل طريقة تفكير المدينة بنفسها ومستقبلها، إذ تشعر بذلك الفكر الاستراتيجي، الذي يدير المشهد بأكمله، فكراً يربط بين التراث والحداثة، بين الاقتصاد والثقافة، بين العمران والبيئة، وكأن المدينة تقرأ نفسها جيداً، وتعرف كيف توازن بين طموحاتها المتعددة دون أن تفقد بوصلتها، فالشوارع الواسعة والأبراج الشاهقة موجودة في مدن كثيرة حول العالم، لكن ما يميز الرياض هو هذا الإصرار على أن يكون التطور نابعاً من الذات، لا منسوخاً من الآخر، فالمدينة تسعى لأن تكون هي نفسها بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عاصمة لها شخصيتها الخاصة، وصوتها المميز، وطريقتها الفريدة في قراءة المستقبل. وفي كل محطة من محطات زيارتي، كنت أجد ذاك الخيط الرفيع، الذي يربط بين كل المشاريع والمبادرات، وهو خيط الثقافة والهوية بأنهما ليستا عبئاً على التنمية، بل هما وقودها الحقيقي، ففيها ترى كيف أن الاستثمار في اللغة العربية لا يُنظر إليه كرفاهية فكرية، بل كضرورة وطنية واقتصادية، وكيف أن التراث لم يعد متاحف مغلقة ومعارض جامدة، بل أصبح مادة خاماً لصناعة حاضر مختلف ومستقبل واعد. هذه الزيارة منحتني إجابات كثيرة، لكنها فتحت أمامي أيضاً أسئلة أعمق حول مشروعنا في متحف بيت العثمان،. وكيف نبني مؤسسة ثقافية لا تكتفي بحفظ الماضي، بل تصنع المستقبل؟ كيف نحول المعرفة من مخزون صامت إلى طاقة متحركة تُلهم الأجيال؟ وكيف نضمن أن يكون ما نبنيه اليوم قادراً على الاستمرار والتأثير بعد عشرات السنين؟
وبالختام ما أقول إلا فعلاً أعجبتني الرياض!
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثلاثون من ديسمبر 2025 (الرابط الإلكتروني).
أعجبتني الرياض - PDF




