المروية العربية

essay image

في زيارتي الأخيرة إلى الرياض «وبتصرف»، وتحديداً حين دخلت أروقة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، لم أكن أتوقع أن ألتقي بمشروعٍ يحمل في جوهره من يروي قصتنا؟ والصراحة المروية العربية كنت اسمع عنها، بس ما كنت مستوعبها عدل، ولكن هناك، في ذلك المكان العامر بالمعرفة، تعرّفت على «المروية العربية»، تلك المبادرة الطموحة، التي لا تكتفي بأن تُروى قصة العرب، بل تصرّ على أن يرويها العرب أنفسهم بأقلامهم وعيونهم، وكما افاد ابن أخي الاديب عبدالله، بتحليل أعجبني، وودت ان أشرك القارئ الكريم، فيقول إنها تجسيد حيّ لما قاله الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان بدهشة حقيقية: «اللغة العربية بدأت فجأة في غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة»، فإذا كانت اللغة قد بدأت كاملة، فإن الحضارة التي حملتها تستحق أن تُروى بالاكتمال والعمق ذاتهما. ففي خضم الروايات المنحازة التي كُتبت عن العرب وحضارتهم، يبرز هذا المشروع كضرورة وجودية قبل أن يكون جهداً بحثياً، فهو ليس محاولة لتجميل الماضي أو الهروب إلى حنين رومانسي، بل دعوة جادة لإعادة قراءة التاريخ بعين عربية نقدية واعية، تعترف بالإنجازات الحقيقية دون مبالغة، وتواجه محاولات طمس الإسهام العربي في العلوم والمعارف الإنسانية دون انفعال، وتقوم فلسفة المروية على مبدأ عميق، وهو أن كل أمة تحتاج إلى قصة تحكيها لنفسها عن نفسها، قصة تحفظ هويتها، تُحيي جذورها الحضارية، وتمنحها البوصلة التي تهتدي بها نحو المستقبل، فالأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد قيمها، ومن فقد هويته فقد القدرة على التمييز بين الأصيل والدخيل، وبين ما يبني وما يهدم، والمروية العربية ليست شعارات براقة أو أمنيات معلقة في الهواء، بل هي مشروع بحثي علمي رصين، يدرس تاريخ العرب ولغتهم وحضارتهم في الجزيرة العربية وخارجها، يعمل من خلال منهجية تجمع بين العمق الأكاديمي والقدرة على الوصول إلى الناس، فلا يبقى حبيس أبراج عاجية، بل يتنفس في الساحات العامة، ويشمل هذا المشروع إنتاج حوارات فكرية، دراسات ميدانية، وكتابات علمية تتوزع على حقول معرفية متنوعة، كالتاريخ والآثار والفلسفة والأدب والفن وعلم الاجتماع، وتتفرع مساراته البحثية إلى محاور حيوية، تشمل إعادة قراءة المصادر التاريخية العربية بعين نقدية، لا تكتفي بالنقل بل تحلل وتتساءل، وإحياء الفلسفة العربية المطمورة، التي غُيّبت أو هُمّشت في الروايات السائدة، ودراسة المجتمع العربي وعلاقاته التاريخية لفهم جذور حاضرنا، وتتبع الإرث الحضاري العربي الإسلامي في المشرق وما وراءه لرسم خريطة التأثير الحقيقي، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا نحتاج هذا المشروع اليوم؟ الإجابة تكمن في أن الروايات السائدة عن العرب غالباً ما كُتبت بأقلام أجنبية، بعضها منصف ودقيق، لكن كثيراً منها متحيز يصوّر العرب كشعب لا حضارة له، أو مجرد ناقلين للعلوم اليونانية دون إضافة حقيقية، والحقيقة مختلفة تماماً، فبلاد العرب كانت حواضن للفكر والحضارة قبل الإسلام وبعده، ولم ينقل العرب العلوم فحسب، بل أضافوا إليها وطوّروها وأبدعوا فيها إبداعات غيّرت مسار الحضارة الإنسانية في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والأدب، وهذه الحقائق تحتاج إلى من يوثقها بطريقة علمية موضوعية، ويعيد تقديمها للعالم بلغة واضحة ومقنعة، وهذا بالضبط ما تفعله المروية العربية.

وبذلك، فإن ما يقوم به مركز الملك فيصل ليس ترفاً فكرياً ولا استغراقاً في حنين للماضي، بل ضرورة حضارية لأمة تستحق أن تُروى قصتها بصوتها الحقيقي، فنحن أمام فرصة تاريخية لاستعادة مكانتنا الحضارية، لكن ليس بالتباكي على أمجادٍ مضت، وإنما بإعادة اكتشافها وفهمها ثم البناء عليها، فالأمة التي لا تعرف ماضيها لن تستطيع رسم مستقبلها، والشعب الذي يجهل قيمة حضارته لن يمتلك الثقة اللازمة لبناء حضارة جديدة.

وتسلمون. 

جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثالث عشر من يناير 2026 (الرابط الإلكتروني).

المروية العربية- PDF