كتاب «أمة على رسلها».. والأسئلة الجوهرية

essay image

كانت زيارتي الأخيرة للرياض مميزة بكل المقاييس، فلله الحمد جمعت فيها بين ثراء المعرفة وعمق الحوار ولقاء شخصيات استثنائية تعمل على إحياء الذاكرة الحضارية العربية، وقد استهللت برنامجي بزيارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، حيث كان لي شرف اللقاء بصاحبة السمو الملكي الأميرة مها بنت محمد الفيصل، الأمينة العام للمركز، ولم يكن هذا اللقاء لقاءً بروتوكولياً عابراً، بل كان حواراً ثرياً مع أديبة وكاتبة نذرت جهدها لإعادة الاعتبار للرواية العربية وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي رُوّجت عن حضارتنا، وبدأت جولتي في قلب المركز الذي تأسس عام 1983م، أي بعد ثماني سنوات من استشهاد الملك فيصل، رحمه الله، والذي جاء استمراراً في تحقيق رسالة الملك النبيلة في نقل المعرفة بين المملكة وبقية العالم، وأنا أتجول في أروقة المكتبة التي تضم قرابة مئتي ألف عنوان وما يزيد على ثلاثين ألف أطروحة جامعية وأكثر من خمسة آلاف دورية محكمة، شعرت بأنني أمام كنز معرفي حقيقي يحفظ ذاكرة أمة، كما زرت متحف الفيصل الذي يحتضن مقتنيات نادرة من الفنون العربية الإسلامية والمخطوطات النفيسة، وهناك وقفت مطولاً أتأمل كيف يمكن للتراث أن يتحول من موروث جامد إلى حوار حيّ مع الحاضر، وحدثتني سموها عن البرامج البحثية والثقافية التي ينهض بها المركز، وكان واضحاً أنها لا تتحدث عن مشروعات إدارية روتينية، بل عن رؤية متكاملة لإنتاج معرفة أصيلة تجمع الباحثين والمؤسسات البحثية من مختلف أنحاء العالم، وخلال اللقاء أهدتني الأميرة نسخة من كتابها «أمة على رسلها.. تأملات من بلاد العرب»، وما إن بدأت بتقليب صفحاته حتى أدركت أنني لست أمام كتاب تقليدي في التاريخ أو الفكر، بل أمام عمل يجمع بين العمق الأكاديمي والحس الإنساني، ودعوة واثقة لاستعادة المكانة التي تستحقها الحضارة العربية، وبعد أن أعدت قراءة الكتاب، ارتأيت إشراك مركز البحوث والدراسات في دار العثمان والأخذ بتحليلهم حول هذا العمل المفيد والمهم، مشيرين وبإيجاز إلى أن الكتاب، الذي يقع في نحو 250 صفحة يفند الروايات الخاطئة التي تنفي دور العرب في بناء التاريخ الفكري والحضاري الإنساني، موضحاً كيف كانت بلاد العرب حواضن للفكر الإغريقي قبل الإسلام، وكيف قدمت بعد الإسلام قراءة عظيمة لذلك الإرث. وما يثير الإعجاب في الكتاب أنه لا يكتفي بالدفاع عن الماضي العربي، بل يطرح أسئلة جوهرية حول مفهوم «الحضارة» ذاته، ذلك المفهوم الذي ابتُدع في حقبة التنوير الأوروبي ليصبح معياراً يُقاس به التقدم البشري. وتشير المؤلفة إلى أن هذا المفهوم عاجز عن احتواء التجربة البشرية المتنوعة، وأن ما يُسمى بالحضارة غالباً ما يعني التمثل الكامل للتمدن الأوروبي لا غير، وهذا طمس لحضارات عريقة أسهمت في صناعة الإنسانية.

وختاماً، لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لصاحبة السمو الملكي على كرم الضيافة واللقاء الثري، وللمستشار الأستاذ ياسر الزهراني، فمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ليس مجرد مؤسسة بحثية، بل هو مشروع نهضوي يمنحنا الأمل بأن المستقبل الفكري العربي واعد، طالما هناك مؤسسات وأفراد يعملون بإخلاص لرفع الوعي بعظمة الإرث العربي الإسلامي، وفي المقال القادم سنتحدث إن شاء الله عن مشروع «المروية العربية» تلك المبادرة الطموحة التي تسعى لإعادة كتابة التاريخ العربي بأقلام أبنائه.

وتسلمون. 

جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السادس من يناير 2026 (الرابط الإلكتروني).

كتاب «أمة على رسلها».. والأسئلة الجوهرية - PDF