معرض «الثمانية والعشرون»

essay image

في زيارتي لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، كانت إحدى أبرز المحطات، التي توقفت عندها، معرض «ثمانية وعشرون»، ذلك المعرض الذي يحمل في عنوانه إشارة رمزية إلى عدد حروف اللغة العربية، والذي استطاع أن يحول هذه الحروف من مجرد رموز لغوية إلى رحلة حضارية متكاملة، تروي قصة لغة عاشت آلاف السنين وما زالت نابضة بالحياة، وقد استقبل هذا المعرض آلاف الزوار، ما يعكس حجم الاهتمام بهذه التجربة الفريدة، التي لا تشبه المعارض التقليدية في شيء، وحين تطأ قدماك أرض هذا المعرض يأخذك مباشرةً في رحلة زمنية ومعرفية مصممة بعناية فائقة عبر أربع قاعات متخصصة، كل واحدة منها تحمل عنواناً يختزل مرحلة كاملة من مراحل تطور اللغة العربية: الجذور، والنماء، والامتداد، والاعتزاز. وما يميز هذا المعرض حقاً أنه لا يقدم اللغة العربية كمتحف للذكريات، أو كإرث نفخر به في الماضي فحسب، بل يبرزها كلغة حية نابضة قادرة على التجدد ومواكبة العصر، لغة لا تعيش على أمجاد الماضي، بل تصنع حاضرها وتستشرف مستقبلها بثقة وطموح، وتبدأ الرحلة في قاعة «الجذور»، حيث يجد الزائر نفسه أمام استعراض تاريخي عميق يوثق نشأة اللغة العربية وتطورها عبر العصور، منذ أقدم النقوش والكتابات التي وُجدت في الجزيرة العربية، مروراً بمراحل تبلور اللغة وتشكل معالمها الأولى، ومن ثم ينتقل الزائر إلى قاعة «النماء»، وهي القاعة التي تسلط الضوء على مراحل الازدهار الذهبية، التي شهدتها العربية عبر العصور الإسلامية المختلفة، هنا يكتشف المرء كيف أصبحت العربية لغة العلم والفلسفة والحضارة، وكيف ترجمت إليها علوم الأمم، ثم كيف أضافت إليها الحضارة الإسلامية إسهامات نوعية، غيّرت مسار المعرفة الإنسانية في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة، أما قاعة «الامتداد» فتأخذك في رحلة جغرافية مدهشة توثق كيف تجاوزت العربية حدودها الأولى لتصبح لغة عالمية حقيقية، وهنا يتضح كيف انتشرت العربية عبر القارات وأثرت في لغات وثقافات متعددة، وتختتم الرحلة في قاعة «الاعتزاز»، وهي القاعة الأكثر ارتباطاً بالحاضر والمستقبل، ففيها يسلط المعرض الضوء على حيوية اللغة العربية اليوم، وعلى قدرتها على استيعاب متطلبات العصر الحديث دون أن تفقد خصائصها وجوهرها، إذ تعرض هذه القاعة نماذج من الإبداع الأدبي المعاصر، ومن الإنجازات العلمية والتقنية التي تُنتج بالعربية، ومن المبادرات المختلفة التي تعمل على تطوير اللغة وتيسير تعلمها واستخدامها في المجالات الحديثة، إنها قاعة تبعث رسالة واضحة مفادها أن العربية ليست مجرد موروث نحافظ عليه بحنين إلى الماضي، بل هي أداة حية للتعبير والإبداع والتواصل في العصر الرقمي، وأنها قادرة على أن تكون لغة العلم والتكنولوجيا كما كانت في عصورها السابقة، المعرض بأكمله يمثل تجربة تجمع بين البعد المعرفي والبعد الوجداني، فهو لا يكتفي بتقديم المعلومات والوثائق والمخطوطات، بل يخلق حالة من التفاعل العاطفي مع اللغة، ويعزز لدى الزائر شعوراً عميقاً بالفخر والانتماء. إن التجول بين قاعات «ثمانية وعشرون» يشبه قراءة رواية طويلة عن لغة خالدة، رواية تبدأ من جذور ضاربة في عمق التاريخ، وتمر بمراحل ازدهار ونماء، وتمتد عبر الجغرافيا والثقافات، ثم تصل إلى حاضر حيوي ومستقبل واعد. وأختم بمقولة للكاتبة الألمانية سيجرد هونكه، مؤلفة كتاب «شمس العرب تسطع على الغرب»، إذ تقول: «اللغة العربية تفوق سائر اللغات رونقاً، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها».

وتسلمون.

جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السابع والعشرون من يناير 2026 (الرابط الإلكتروني).

معرض «الثمانية والعشرون» - PDF